المكتبة العقائدية » الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 (لـ جعفر مرتضى العاملي)



الصفحة 240

البيعة لأهل الحرمين:

معتمر بن سليمان، قال: قلت لأبي: إن الناس يقولون: إن بيعة علي لم تتم!! قال: يا بنيّ بايعه أهل الحرمين، وإنما البيعة لأهل الحرمين(1).

ونقول:

أولاً: إذا كان المعيار في صحة الخلافة والإمامة هو النص، فهو موجود، وإن كان المعيار هو البيعة، فإن بيعة يوم الغدير لم تبق عذراً لمعتذر.. لا سيما وأنها كانت بأمر من الله ورسوله..

وإن كان الميزان هو بيعة أهل الحل والعقد، فهم لا ينحصرون بأهل الحرمين، بل يشمل ذلك كل من كانت له صفة كونه من أهل الحل والعقد..

ثانياً: إن أهل السنة يقولون: إن صحة البيعة لا تحتاج إلى أهل الحرمين، بل يكفي عند بعضهم أن يعقدها ثمانية أو سبعة، أوخمسة، أو اثنان، أوثلاثة، بل بعضهم يكتفي بواحد.

ودليل هؤلاء هو عدد من عقدها لأبي بكر في السقيفة، فقيل: عقدها له عمر وحده، وقيل هو وأبو عبيدة، وقيل.. وقيل..

ثالثاً: إن علياً (عليه السلام) قال: إن عقد الإمامة إنما هو لأهل بدر، وسكت عن ذكر عدد من يعقدها منهم.

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص208.


الصفحة 241

رابعاً: لم يذكر سليمان لولده: عدد من تعقد ببيعتهم الإمامة من أهل الحرمين..

خامساً: ما الدليل على حصر البيعة الصحيحة ببيعة أهل الحرمين دون سواهم!!

سادساً: لا ندري لماذا لم تتم بيعة علي الذي لم يبق أحد يحسن السكوت عليه إلا بايعه، وبايعه جميع المسلمين باستثناء معاوية ومن معه من أهل الشام، مع أن بيعة أبي بكر قد تمت لمجرد أن عمر وأبا عبيدة قد بايعاه؟! وتمت خلافة عمر لمجرد أن أبا بكر أوصى إليه، وتمت بيعة عثمان لبيعة عبد الرحمان بن عوف له، وصاروا يستحلون الخوض في دماء الناس والحكم عليهم بالارتداد لاعتبارهم الإمامة قد انعقدت بذلك.

وإنما بايع أهل المدينة أبا بكر بقوة السلاح وبالضغط وبالقهر.

هل الأشتر أول المبايعين؟!:

عن صهبان ـ مولى الأسلميين ـ قال: جاء علي والناس ـ والصبيان يعدون ومعهم الجريد الرطب ـ فدخل حائطاً في بني مبذول. وطرح الأشتر النخفي خميصته عليه، ثم قال: ماذا تنتظرون؟! يا علي، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه.

ثم قال: قوموا فبايعوا، قم يا طلحة، قم يا زبير.


الصفحة 242

فقاما، فبايعا، وبايع الناس(1).

ونقول:

تضمنت هذه الرواية: أن الأشتر كان أول من بايع علياً، مع أنهم يقولون: إن طلحة كان أول المبايعين، ثم الزبير..

إلا أن يقال: إن الأشتر كان أول من بايعه في حائط بني مبذول، وكان طلحة أول من بايعه في المسجد..

وهو كلام غير مقبول أيضاً، فقد صرحت الروايات بأنه (عليه السلام) رفض البيعة له خفية، فاتعدوا المسجد في اليوم التالي.. وحين اجتمع الناس في المسجد سألهم إن كانوا لا يزالون مصرين على موقفهم. فلما أجابوه بالإيجاب رضي ببيعتهم، وكان أول المبايعين طلحة..

وبعد.. فما هذه الطاعة من طلحة والزبير للأشتر!! وهما يريان أنفسهما أكبر وأخطر من الأشتر، ولا سيما بعد أن اختارهما عمر في ضمن الستة الذين تكونت الشورى منهم.

علي (عليه السلام) لم يدع الناس إلى البيعة:

عن الزهري قال: كان علي قد خلَّى بين طلحة وبين عثمان، فلما قتل عثمان برز علي للناس، فدعاهم إلى البيعة، فبايعوه.

وذلك أنه خشي أن يبايع الناس طلحة، فلما دعاهم إلى البيعة لم يعدلوا

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص215 و 216.


الصفحة 243

به طلحة ولا غيره(1).

ونقول:

أولاً: ليس في سعي علي (عليه السلام) للبيعة غضاضة، فإنه إذا كان صاحب الحق يخشى من ضياع حقه الذي جعله الله تعالى له بنص يوم الغدير، فما المانع من أن يبادر إلى فعل ما يحفظ ذلك الحق، ويعيده إلى أهله؟!

ثانياً: بل إننا حتى لو قلنا: إنه لا يوجد نص في البين على إمامة أحد، وعرف أهل الاستقامة والدين والعلم والتقوى، وأحسن الناس تدبيراً وسياسةً، وأحرصهم على مصلحة الأمة أن عدم تصديهم سوف يفسح المجال لمن لو أمسك بأزمة الحكم لأفسد أمور الناس، وظلمهم، وضيع ما يجب حفظه من مصالحهم، فلا يعذر أولئك الصالحون المؤهلون بالتراجع، وبإفساح المجال لأولئك.

ثالثاً: إن هذا النص يقول: (كان علي قد خلى بين طلحة وبين عثمان، فلما قتل عثمان إلخ..) فهل يريد أن يوهم الناس بأن سبب قتل عثمان هو علي (عليه السلام)، إذ لو لم يخل بينه وبين طلحة لم يقتل؟!

رابعاً: إن علياً (عليه السلام) لم يدع الناس إلى البيعة له ـ كما يزعم هذا النص ـ بل الناس هم الذين لاحقوه بالإصرار الشديد ليقبل منهم أن يبايعوه، وبقي أياماً يفر منهم من موضع إلى موضع، حتى قبلها وهو كاره لها..

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص215.


الصفحة 244

خامساً: إن طلحة كان في جملة من لاحق علياً (عليه السلام)، وأصر عليه بالبيعة له. وكان طلحة يعلم أن الناس لا يرضون به مع وجود علي (عليه السلام). وقد قال له: إن الناس قد اجتمعوا لك، ولم يجتمعوا إلي. وقال: أنت أحق.. وأنت أمير المؤمنين.

الشعبي يروي حديث البيعة:

عن الشعبي: أنه لما قتل عثمان أقبل الناس إلى علي (عليه السلام) ليبايعوه، ومالوا إليه، فمدوا يده فكفها، وبسطوها فقبضها، وقالوا: بايع، فإنا لا نرضى إلا بك، ولا نأمن من اختلاف الناس وفرقتهم.

فبايعه الناس، وخرج حتى صعد المنبر.

وأخذ طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام مفتاح بيت المال، وتخلفا عن البيعة فمضى الأشتر حتى جاء بطلحة يتله تلاً عنيفاً. وهو يقول: دعني حتى أنظر ما يصنع الناس. فلم يدعه حتى بايع علياً.

فقال رجل من بني أسد، يقال له: قبيصة بن ذؤيب: أول يد بايعت الرجل من أصحاب محمد شلاء، والله ما أرى هذا الأمر يتم.

وكان طلحة أول من بايع من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبعث علي بن أبي طالب من أخذ مفاتيح بيت المال من طلحة.

وخرج حكيم بن جبلة العبدي إلى الزبير بن العوام حتى جاء به فبايع.

فكان الزبير يقول: ساقني لص من لصوص عبد القيس، حتى بايعت مكرهاً.


الصفحة 245

قال الشعبي: وأتي علي بعبد الله بن عمر بن الخطاب ملبياً، والسيف مشهور عليه، فقال له: بايع.

فقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس عليك.

قال: فأعطني حميلاً ألا تبرح.

فقال: لا أعطيك حميلاً.

فقال الأشتر: إن هذا رجل قد أمن سوطك وسيفك. فأمكنِّي منه.

فقال علي: دعه، فأنا حميله. فوالله ما علمته إلا سيء الخلق صغيراً وكبيراً.

قال: وجيء بسعد بن أبي وقاص. فقيل له: بايع.

فقال: يا أبا الحسن إذا لم يبق غيري بايعتك.

فقال علي: خلوا سبيل أبي إسحاق.

وبعث علي إلى محمد بن مسلمة الأنصاري ليبايع، فقال: إن رسول الله أمرني إذا اختلف الناس أن أخرج بسيفي، فأضرب به عرض (أحد) حتى ينقطع، فإذا انقطع أتيت بيتي، فكنت فيه، لا أبرح حتى تأتيني يد خاطفة، أو ميتة قاضية.

قال: فانطلق إذن. فخلى سبيله.

وبعث إلى وهب بن سيفي الأنصاري ليبايعه، فقال: إن خليلي وابن عمك قال لي: قاتل المشركين بسيفك، فإذا رأيت فتنة فاكسره، واتخذ سيفاً من خشب، واجلس في بيتك.


الصفحة 246

فتركه.

قال: ودعا أسامة بن زيد بن حارثة، مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى البيعة، فقال: أنت أحب الناس إلي، وآثرهم عندي. ولو كنت بين لحيي أسد لأحببت أن أكون معك، ولكني عاهدت الله أن لا أقاتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله.

قال: فبايع أهل المدينة علياً.

فأتاه ابن عمر، فقال له: يا علي، اتق الله، ولا تنتزين على أمر الأمة بغير مشورة.

ومضى إلى مكة(1).

ونقول:

هكذا صور لنا الشعبي البيعة لعلي (عليه السلام). ونحن وإن كنا قد تحدثنا عن أمور عديدة تضمنها هذا النص، إلا أن التذكير ببعضها، والتوقف عند بعض آخر لم نشر إليه لا يخلو من بعض الفائدة، فلاحظ ما يلي:

مفاتيح بيت المال:

قال العلامة المحمودي أعلى الله مقامه: (إن مفاتيح بيت المال قد أخذها

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص206 ـ 207.


الصفحة 247

طلحة في أيام حصار عثمان، وتأليبه عليه)(1)..

ويشهد لذلك: ما ذكره الراوندي، من أن علياً (عليه السلام) أرسل إلى طلحة بعد البيعة: أن ابعث بمفاتيح بيت المال. فأبى.

فأمر علي (عليه السلام) فكسر، ثم قسم ما فيه على الناس(2).

وهذا لا ينافي ما تقدم في بعض الفصول السابقة من: أن علياً (عليه السلام) قد فتح بيت المال، وفرق بين الناس ما فيه. فانكفأ الناس عن عثمان، وكان ذلك في أيام الحصار. إذ لعله أعاد المفتاح إلى المسؤول عنه، وهو زيد بن ثابت، أو لعله لم يستلم المفتاح أصلاً، بل أمر المسؤول عنه بفتحه له. فامتثل لأمره، ثم استولى عليه طلحة بعد ذلك.

تناقض رواية الشعبي:

قد يدعى: أن في رواية الشعبي تناقضاً ظاهراً، فإنها تصرح أولاً ببيعة الناس له (عليه السلام)، وتخلف طلحة والزبير عنها.. ثم تصرح بأن طلحة كان أول من بايعه، حتى تشاءم قبيصة بن ذؤيب ببيعته..

ويمكن أن يجاب: بأن من الجائز أن يكون طلحة أول من بايع في المسجد، حيث أتى به الأشتر قهراً فبايع مرة أخرى.

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 هامش ص206.

2- مكارم أخلاق النبي (صلى الله عليه وآله" وأهل بيت النبوة (مخطوط في مكتبة مجلس الشورى بطهران).


الصفحة 248

يتله تلاً عنيفاً:

وعن أن الأشتر جاء بطلحة يتله تلاً عنيفاً نقول:

أولاً: قد ذكرنا في كتابنا هذا نصوصاً كثيرة تدل على أن طلحة والزبير قد بايعا علياً (عليه السلام) طائعين غير مكرهين..

ثانياً: إن علياً (عليه السلام)، وكذلك سائر من معه كانوا أهل معرفة بالفقه، وبأحكام الشريعة التي تقول: لا بيعة لمكره. فما معنى أن يمارسوا هذا الإكراه، وهم الذين كانوا قد ذاقوا مرارة الإكراه؟! وعلموا الناس: أن الإكراه لا يعطي شرعية، ولا يلزم من وقع عليه الإكراه بشيء..

ثالثاً: إن ممانعة طلحة لم تزد على ممانعة غيره، حيث إن طلبه المهلة لينظر في الأمر لا يستحق هذا العنف عليه..

فلماذا يتله الأشتر؟! ثم لماذا يكون التَل عنيفاً؟! ولِمَ لم يفعل مثل ذلك بغيره ممن امتنع عن البيعة بزعمهم؟! وما سبب ذلك الرفق بغيره، وهذا العنف به؟!

رمز وحدة الأمة:

وقد أظهر النص: أن الناس كانوا يتوقعون اختلاف الناس وفرقتهم، ويرون أن البيعة لعلي (عليه السلام) ضمانة لعدم حصول ذلك..

ويبدو: أن كل الذي جرى بعد ذلك من حروب كان أهون مما كان متوقعاً لو لم يبايع لعلي (عليه السلام)..

ويؤكد هذا المعنى: أن هذا الذي جرى قد أسهم في تنامي وعي الناس،


الصفحة 249

وزوال الشبهات عنهم. وهي شبهات لو تركت لفتكت في حقائق الإسلام وهدمت الكثير من عقائده وشرائعه، وقوضت دعائمه، نتيجة بقائه أسيراً بأيدي الأشرار، وأصحاب الأهواء.

ولأجل ذلك نلاحظ: أنه رغم كل تلك الحروب الهائلة، فإن أحداً لم يظهر ندماً على بيعته لعلي (عليه السلام)، بل كانوا يرونها نعمة كبرى، وسعادة لهم، وفوزاً ونجاحاً، وسداداً وفلاحاً.

تخلف طلحة والزبير عن البيعة:

وزعم الشعبي: أن طلحة والزبير تخلفا عن البيعة حتى جاء الأشتر بطلحة، فلم يدعه حتى بايع علياً، وجاء حكيم بن جبلة بالزبير فبايع. وكان ذلك بعد أن بايعه الناس..

ولسنا بحاجة إلى التذكير بالنصوص الصريحة: بأن طلحة والزبير كانا أول من بايع. وقد بايعا طائعين غير مكرهين..

وادعاؤهما البيعة الظاهرية، وتبييتهما نية الغدر لا تسمع.. بل هي تدينهما، وتسقط محلهما وكلامهما عن الاعتبار.

حكيم بن جبلة لص!!:

وزعم الشعبي: أن الزبير كان يقول: ساقني لص من لصوص عبد القيس، حتى بايعت مكرهاً..

مع أن ما يصف المؤرخون به حكيم بن جبلة يخالف ذلك، فقد ذكر الطوسي (رحمه الله): (أنه من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، كان


الصفحة 250

رجلاً صالحاً، مطاعاً في قومه، وحارب طلحة والزبير قبل قدوم أمير المؤمنين (عليه السلام) واستشهد)(1).

وكان أشد الناس، وقد قطعت ساقه، فضمها إليه، حتى مر به الذي قطعها، فرماه بها فجدله عن دابته، ثم جاء إليه فقتله واتكأ عليه، فمر به الناس فقالوا له: يا حكيم من قطع ساقك؟!

قال: وسادي. وأنشأ يقول:


يـا ساق لا تراعـيإن معي ذراعي
أحمي بها كراعي


وقاتل ورجله مقطوعة، حتى قتله سحيم الحداني(2).

ولا قيمة لحكايات الشعبي عن الإتيان بابن عمر، والسيف مشهور عليه، وكذلك حديثه عن إبائه عن البيعة، وعن إعطائه الحميل. ثم طلب

____________

1- قاموس الرجال (ط سنة1379) ج3 ص385 عن الأمالي للطوسي رحمه الله. وراجع: الغدير ج9 ص148 و 186 والإستيعاب ج1 ص366 وطرائف المقال للبروجردي ج2 ص80 وأسد الغابة ج2 ص39 و 40 والكنى والألقاب ج1 ص407.

2- قاموس الرجال ج3 ص385 عن العقد الفريد، والاستيعاب، وأسد الغابة ج2 ص40 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص495 وراجع: الفتنة ووقعة الجمل ص130 و 131 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص56 والأعلام للزركلي ج2 ص269 وأنساب الأشراف ج2 ص228 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص487 و 488 والكامل في التاريخ ج3 ص218.


الصفحة 251

الأشتر من علي (عليه السلام) أن يمكنه منه، ثم الإتيان بسعد، وبمحمد بن مسلمة، ووهب بن صيفي، وأسامة بن زيد.

فإن هذا منقوض بالتنصيص على بيعة سعد، وابن مسلمة، وسائر الناس.

ومنقوض بالنص المروي عنه (عليه السلام) على عدم إكراهه أحداً على بيعته، بل هم الذين بايعوه على كره منه..

فإن كانت ثمة ممانعة من هؤلاء، فإنما هي عن الخروج معه للقتال، لا عن البيعة. وقد تحدثنا عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب..

غير أن لنا أن نسأل عن السبب في طلب الحميل من ابن عمر، دون سواه ممن امتنع عن متابعته (عليه السلام).

والجواب: أنه (عليه السلام) قد طلب منه الحميل حين طلب منه أن يخرج معه إلى حرب الأعداء، فرفض، فقال له (عليه السلام): ائتني بحميل فرفض، فقال (عليه السلام) فيه كلمته المعروفة، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

عذر ابن مسلمة:

أما ما اعتذر به محمد بن مسلمة من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) له بأنه إذا اختلف الناس ضرب بسيفه عرض أحد، فنقول:

1 ـ لماذا خص النبي (صلى الله عليه وآله) ابن مسلمة بهذه الوصية دون سائر الناس؟! ألا يشير ذلك إلى أنه (صلى الله عليه وآله) يحذره من الدخول


الصفحة 252

في القتال، الذي هو من مصاديق الفتنة التي لا يعرف وجه الحق فيها؟!

2 ـ ويؤيد ما ذكرناه آنفاً: أنه قال: إذا اختلف الناس.. إذ ليس المراد مطلق الاختلاف، لأن ذلك يخالف نص القرآن الذي يأمر يقتال الفئة الباغية، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ}(1).

3 ـ قد يقال: إن تخصيص هذه الوصية بابن مسلمة ـ إن صحت ـ فهي تدل على قابلية ابن مسلمة للدخول في الفتن، والتأثير في تأجيجها وتعقيد الأمور فيها. فأوصاه أن لا يدخل في الفتن، كما جرى في السقيفة وغيرها. ولم يوصه بعدم البيعة لإمام زمانه، ولا بعدم قتال الفئة الباغية من الناكثين والقاسطين والمارقين.

حتى ابن صيفي!!:

وما ذكرته رواية الشعبي عن وهب بن صيفي (ولعل الصحيح: وهبان، أو أهبان بن صيفي) فحاله حال ما تقدم عن ابن مسلمة.

ويضاف إليه ما يلي:

1 ـ إنه يصرح بالفتنة، فيقول: (فإذا رأيت فتنة فاكسره).

2 ـ إن اعتبار البيعة لعلي (عليه السلام) من مصاديق الفتنة لم يظهر لنا وجهه، بعد أن بين لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن علياً مع الحق

____________

1- الآية 9 من سورة الحجرات.


الصفحة 253

والحق مع علي. وأنه مع القرآن والقرآن معه..

بالإضافة إلى عشرات الدلائل والشواهد الأخرى التي تشير إلى هذا المعنى، ونظائره..

3 ـ وقد وصف الفضل بن شاذان ابن صيفي: بأنه كان فاجراً مرائياً، وكان صاحب معاوية، وكان يحث الناس على قتال علي (عليه السلام).

وقال لعلي (عليه السلام): ادفع إلينا المهاجرين والأنصار حتى نقتلهم بعثمان، فأبى (عليه السلام).

فقال أبو مسلم (أي ابن صيفي): الآن طاب الضراب إلخ..(1).

لا تنتزين بغير مشورة:

ولا ينقضي عجبنا مما نقله الشعبي عن ابن عمر، من أن أهل المدينة بايعوا علياً، فأتاه ابن عمر فقال: يا علي، اتق الله لا تنتزين على أمر الخلافة بغير مشورة.

فهل كان علي (عليه السلام) هو الطالب للخلافة، والساعي لها

____________

1- قاموس الرجال للتستري ج2 ص135 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1422هـ) ج11 ص515 عن الكشى، وإختيار معرفة الرجال للطوسي ج1 ص314 وجامع الرواة للأردبيلي ج1 ص110 وج2 ص418 وطرائف المقال للبروجردي ج2 ص119 و 592 وأعيان الشيعة ج3 ص508 و 513 وج7 ص69 والكنى والألقاب ج1 ص159.


الصفحة 254

ليوصف بهذا الوصف القبيح؟!

وإذا كانت بيعة علي (عليه السلام) قد حصلت بإجماع أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان وجميع المهاجرين والأنصار، وقد فرضوها عليه فرضاً، فكيف يكون (عليه السلام) قد انتزى على أمر الأمة بغير مشورة؟!

إلا إن كان يريد ابن عمر من علي (عليه السلام) أن يشاور معاوية والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر كريز. وغيرهم من أبناء الطلقاء..

وهل بعد بيعة المهاجرين والأنصار، وأهل الحرمين، وأهل العراق واليمن، ومصر وإلخ.. بيعة اختيارية طوعية منهم.

نعم، هل بعد بيعة هؤلاء يصح وصفه (عليه السلام) بما وصفه به ابن عمر؟!

وهل يجرؤ ابن عمر على مخاطبة علي (عليه السلام) بمثل هذا الخطاب؟!

وهل سيرضى الناس هذا الكلام منه، ويصدقونه فيه؟!

وأين هو جواب علي (عليه السلام) له؟!

أم يعقل أن يكون قد سكت عنه؟!

ولماذا يسكت؟! أعجزاً عن جوابه أم ترفعاً عن خطابه؟!

وهل يعجز علي (عليه السلام) أمام هكذا خطاب؟! ولا يرضى محبوا ابن عمر أن تنتهي الأمور به إلى هذا الحد الذي يظهر فيه ضعفه، وسقوط


الصفحة 255

محله، وصبيانية تصرفاته؟!

سعي علي (عليه السلام) للخلافة:

1 ـ عن المسور بن مخرمة، قال: قتل عثمان، وعلي في المسجد، فمال الناس إلى طلحة.

قال: فانصرف علي يريد منزله، فلقيه رجل من قريش عند موضع الجنائز، فقال: انظروا إلى رجل قتل ابن عمه، وسلب ملكه.

قال: فولى راجعاً، فرقى المنبر، فقيل: ذاك علي على المنبر، فمال الناس عليه، فبايعوه، وتركوا طلحة(1).

2 ـ عن محمد بن عطية الثقفي: أن عطية أخبره، قال: لما كان الغد من يوم قتل عثمان أقبلت مع علي فدخلت المسجد، فوجدت جماعة من الناس قد اجتموا على طلحة، فخرج أبو جهم بن حذيفة فقال: يا علي، إن الناس قد اجتمعوا على طلحة وأنت غافل.

فقال: أيقتل ابن عمتي وأغلب على ملكه؟!

ثم أتى بيت المال ففتحه. فلما سمع الناس بذلك تركوا طلحة، وأقبلوا

____________

1- فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل ص133 والرياض النضرة ج3 ص293 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص293 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص210.


الصفحة 256

إليه(1).

ونقول:

إننا لا نرتاب في عدم صحة هذه الرواية، ليس فقط لأن سمرة بن جندب كان من المنحرفين عن علي (عليه السلام)(2)، ومن الذين يقبضون الأموال من معاوية لوضع الأحاديث في ذم علي (عليه السلام) ونسبتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)(3).

وليس فقط لأننا لم نسطع أن نجد ما يوجب رفع الجهالة عن حال محمد بن عطية الثقفي، وحال أبيه، بل لما يلي أيضاً:

1 ـ بالنسبة لفتح بيت المال نقول:

____________

1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص215.

2- الإيضاح لابن شاذان ص542 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص143 والكنى والألقاب ج3 ص29 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص262.

3- الغارات للثقفي ج2 ص840 وفرحة الغري لابن طاووس ص46 والصراط المستقيم ج1 ص152 وكتاب الأربعين للشيرازي ص289 وبحار الأنوار ج33 ص215 وكتاب الأربعين للماحوزي ص386 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص262 وشجرة طوبى ج1 ص97 والغدير ج2 ص101 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص73 وشواهد التنزيل ج1 ص132 والكنى والألقاب ج3 ص29 وإحقاق الحق (الأصل) ص196 وسفينة النجاة للتنكابني ص303.


الصفحة 257

ظاهر الرواية المتقدمة: أنه (عليه السلام) قد فتح بيت المال قبل البيعة له، مع أنه تقدم: أنه كسره بعد بيعة طلحة والزبير والناس له (عليه السلام).

2 ـ إن رفضه (عليه السلام) لتولي الخلافة، وإيثاره الابتعاد عنهم، والتخفي في بيته، أو في حوائط المدينة حتى إنه لم يقبل ذلك منهم إلا بعد مضي خمسة أيام لا يبقي مجالاً لاحتمال أن يكون قد استولى على مفاتيح بيت المال لحظة قتل عثمان، أو في اليوم التالي من قتله.

3 ـ لا معنى لما ذكرته هذه الرواية، بعد تصريح أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: في كتاب له إلى طلحة والزبير: (وإن العامة لم تبايعني لسلطان غالب، ولا لعرض حاضر)(1).

4 ـ هل الملك كان لابن عفان؟!

وهل كان (عليه السلام) يريد الحصول على هذا الملك؟!

وكيف نجمع بين قوله: (أيقتل ابن عمي وأغلب على ملكه)؟! وبين كراهته لهذا الأمر، وفراره من الناس حتى لا يفرضوه عليه؟!

5 ـ إذا كان (عليه السلام) يرى أن قتل عثمان ممنوع إلى هذا الحد، فلماذا

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج32 ص125 ـ 127 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص111 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص131 وراجع: كتاب الفتوح لابن أعثم ج2 ص465 والمناقب للخوارزمي ص183 ومطالب السؤول ص212 و كشف الغمة ج1 ص240.


الصفحة 258

لم ينصره بسيفه؟! ولماذا قال حين سئل عن قتله: لم يسرني، ولم يسؤني؟.

6 ـ هل مال الناس إلى علي (عليه السلام) لمجرد سماع أنه على المنبر؟! أم أنهم إليه مالوا لأنهم سمعوا أنه فتح بيت المال؟! أو مالوا إليه خوفاً من تطور الأمور إذا استمر الناس بلا إمام؟!

7 ـ هل أخبروه باجتماع الناس على طلحة بعد خروجه (عليه السلام) من المسجد، وتوجهه إلى بيته؟! أم أخبروه بذلك حين أقبل إلى المسجد، ودخله، فقيل له: إن الناس اجتمعوا على طلحة.. وهو غافل؟!

يتهدده المصريون.. ويعترف بالعجز:

وروى السري، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن علي بن الحسين: أول خطبة خطبها علي (عليه السلام) ـ ثم ذكرها ـ ثم قال:

ولما فرغ علي من خطبته، وهو على المنبر، قال المصريون:


خذها... وا حذراً أبا حسن إنا نُمِّرُ الأمر إمرار الرسن

وإنما الشعر:

خـذها إليـك وا حذراً أبا حسن

فقال علي مجيباً:


إني عجزت عجزة ما أعتذرسوف أكيس بعدها وأستمر

وكتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة قالا: ولما أراد علي الذهاب إلى بيته قالت السبائية:


الصفحة 259


خذها إليك وا حذراً أبا حسن إنا نُمِّرُ الأمر إمرار الرسن
صولة أقوام كأسداد السفن بمشرفيات كغدران اللبن
ونطعن الملك بلين كالشطن حتى يمرن على غير عنن


فقال علي ـ وذكر تركهم العسكر، والكينونة على عِدَة ما مُنُّوا حين غمزوهم، ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى ـ:


إني عجزت عجزة لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجر وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
إن لم يشاغبني العجول المنتصر أو يتركوني والسلاح يبتدر(1)


ونقول:

إننا لا نكاد نصدق هذا الكلام:

أولاً: إن علياً (عليه السلام) قد عمل بتكليفه الشرعي، ونفذ وصية الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولم يعجز، ولم يفعل ما يتنافى مع الكياسة والفطنة. إلا إن كان هؤلاء يريدون نسبة العجز إلى الله ورسوله أيضاً.. فإنهما هما اللذان أمراه باتخاذ هذه المواقف، كما هو معلوم.

ثانياً: لو سلمنا: أن ذلك قد حصل، فإن الاعتراف به بهذه الطريقة عجز آخر، لا ينسجم مع الكياسة والفطنة.

ثالثاً: لا يمكن أن يقدم المصريون على تهديد علي (عليه السلام) بهذه

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص435 و 436 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 3 ص457 و 458 والكامل في التاريخ ج3 ص195.


الصفحة 260

الطريقة البعيدة عن الأدب واللياقة، وقد رأينا مدى احترامهم له (عليه السلام) فيما جرى بينهم وبين عثمان، حيث قبلوا منه ما عرضه عليهم، وميزوه على سائر الصحابة، ورضوا به ضامناً لعثمان.

رابعاً: ما معنى هذا الخوف منه (عليه السلام)، فإنه هو الذي يقول: (لقد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهَّب بالضرب)(1).

ويقول: (إن أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف لأهون علي من الموت على الفراش في غير طاعة الله)(2).

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص60 وج2 ص88 والكافي ج5 ص53 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص268 والأمالي للطوسي ص169 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص406 وبحار الأنوار ج31 ص599 وج32 ص54 و 60 و 95 و 100 و 188 و 193 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص7 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج5 ص434 ونهج السعادة ج1 ص295 و 300 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص303 وج10 ص3 ومطالب السؤول ص213 وكشف الغمة ج1 ص241.

2- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص2 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص269 وج3 ص289 وبحار الأنوار ج32 ص61 و 100 و 189 و 194 وج33 ص455 وج34 ص146 وج68 ص264 وج74 ص403 وج97 ص11 و 14 و 40 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص7 و 127 والإرشاد للشيخ المفيد ج1 ص238 والأمالي للطوسي ص169 و 216 والكافي ج5 ص54 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص14 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص8 وعيون الحكم والمواعظ ص154.


الصفحة 261

ويقول: (ألا إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه)(1).

خامساً: إن الرجز الذي يدَّعون أنه (عليه السلام) أجاب به على رجز المصريين لا يصلح جواباً له، فإنهم قد حذروه وتهددوه، فما معنى قوله لهم:


إني عجزت عجزة ما أعتذرالخ..


فإن هذا ليس جواباً لذاك!!

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص41 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج4 ص115 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص128 وبحار الأنوار ج28 ص234 وج29 ص141 وج71 ص57 وج74 ص332 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص503 ونهج السعادة ج1 ص42 وج7 ص134 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص56 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص213 والدرجات الرفيعة ص86 ومطالب السؤول ص288 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص306.


الصفحة 262

الصفحة 263

الفصل الثاني:

لا طمع ولا إكراه..


الصفحة 264

الصفحة 265

روايات الإجبار على البيعة لعلي (عليه السلام):

وزعموا: أن طلحة والزبير، وبعض آخر قد اكرهوا على البيعة لعلي (عليه السلام)، والروايات التي تشير إلى ذلك هي التالية:

1 ـ قال جماعة من الناس: إنما بايع طلحة والزبير علياً كرهاً(1).

2 ـ روى الواقدي، عن هاشم بن عاصم، عن المنذر بن الجهم، قال: سألت عبد الله بن ثعلبة: كيف كانت بيعة علي (عليه السلام)؟!

قال: رأيت بيعة رأسها الأشتر يقول: من لم يبايع ضربت عنقه، وحكيم بن جبلة، وذووهما. فما ظنك بما يكون أجبر فيه جبراً؟!

ثم قال: أشهد لرأيت الناس يحشرون إلى بيعته، فيتفرقون، فيؤتى بهم فيضربون، ويعسفون، فبايع من بايع، وانفلت من انفلت!(2).

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص430 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص452 والكامل في التاريخ ج3 ص192.

2- الجمل ص111 و (ط مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران) ص53 والشافي ج4 ص312 و 313 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج4 ص430 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص452.


الصفحة 266

3 ـ وروى الواقدي أيضاً عن سعيد بن المسيب، قال: لقيت سعيد بن زيد بن نفيل، فقلت: بايعت؟!

قال: ما أصنع؟! إن لم أفعل قتلني الأشتر وذووه(1).

4 ـ قال: وقد عرف الناس: أن طلحة والزبير كانا يقولان: بايعنا مكرهين(2).

5 ـ وروي عنهما أنهما قالا: والله، ما بايعنا بقلوبنا، إن كنا بايعنا بألسنتنا(3).

6ـ عن طلحة أنه كان يقول: بايعت واللج(4) على رقبتي (قفاي أو

____________

1- الجمل ص112 و (ط مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران) ص53 والشافي ج4 ص313.

2- الجمل ص112 و (ط مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران) ص53 والشافي ج4 ص312 و 213.

3- الجمل ص112 و (ط مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران) ص88 قال: والخبر مشهور عن طلحة بذلك، وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص462 والكامل في التاريخ ج3 ص239 والعقد الفريد ج4 ص314 والنص والاجتهاد ص447 وراجع: شرح الأخبار ج1 ص487 والكافئة للشيخ المفيد ص15 وبحار الأنوار ج32 ص33 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج7 ص59 والوافي بالوفيات ج13 ص80.

4- اللج: السيف. قال ابن الكلبي: كان للأشتر سيف يسميه اللج واليم.


الصفحة 267

قفي)(1).

7 ـ عن الزهري، قال: بايع الناس علي بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير وطلحة، فدعاهما إلى البيعة، فتلكأ طلحة، فقام مالك الأشتر، وسل سيفه، وقال: والله لتبايعن، أو لأضربن به ما بين عينيك.

فقال طلحة: وأين المهرب عنه؟!

فبايعه. وبايعه الزبير والناس(2).

8 ـ وقال الزهري: وقد بلغنا أنه قال لهما: إن أحببتما أن تبايعا لي، وإن أحببتما بايعتكما (أو قال: بايعت أيكما شئتما).

فقالا: بل نبايعك. وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشيةً على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا(3).

____________

1- الفتنة ووقعة الجمل للضبي ص95 و 122 وتاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص457 و 480 و البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج7 ص254 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص259 وج8 ص709 وكتاب الفتن للمروزي ص89 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص7 وتمهيد الأوائل للباقلاني ص518 والعثمانية للجاحظ ص173 و 175.

2- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص429 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص451 وتذكرة الخواص ج1 ص348.

3- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص429 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص452 والكامل في التاريخ ج3 ص191 وتذكرة الخواص ج1 ص349 وأنساب الأشراف (بتحقيق الحمودي) ج2 ص219 وبحار الأنوار ج32 ص7.


الصفحة 268

ثم طمرا (أي ذهبا) إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر(1).

9 ـ روى الواقدي عن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن سعد قال: قال طلحة: بايعت والسيف فوق رأسي.

فقال سعد: لا أدري، والسيف على رأسه أم لا. إلا أني أعلم أنه بايع كارهاً(2).

10 ـ وروى الطبري: أنه بعد أن غشي الناس علياً، وامتنع من قبول البيعة له، ثم رضي، واتعدوا الغد ـ روى ـ أن الناس تشاوروا فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير، فقد استقامت.

فبعث البصريون إلى الزبير بصرياً، قالوا: احذر لا تحاده ـ وكان رسولهم حكيم بن جبلة العبدي في نفر ـ فجاءوا به يحدونه بالسيف.

وإلى طلحة كوفياً وقالوا له: احذر لا تحاده، فبعثوا الأشتر في نفر فجاءوا به يحدونه بالسيف.

وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة.

____________

1- أنساب الأشراف للبلاذري (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1394هـ 1974م) ص219.

2- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص435 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص453.


الصفحة 269

وقد خشع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعاً لأهل مصر وحشوة فيهم، وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظاً.

فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس إلى المسجد، وجاء علي حتى صعد المنبر، فقال: يا أيها الناس ـ عن ملإ وإذن ـ إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد.

فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.

وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع.

فقال: إني إنما أبايع كارهاً، فبايع ـ وكان به شلل ـ أول الناس، وفي الناس رجل يعتاف، فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أول من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أول يدٍ بايعت أمير المؤمنين يد شلاء، لا يتم هذا الأمر!

ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع ـ وفي الزبير اختلاف ـ ثم جيء بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد، والعزيز والذليل، ثم قام العامة فبايعوا(1).

11 ـ قالوا: لما قتل عثمان، واجتمع الناس على علي (عليه السلام) ذهب الأشتر فجاء بطلحة، فقال له: دعني أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه،

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص434 و 435 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص456 و 457 وراجع: الكامل في التاريخ ج3 ص192 و 193 و 194 وبحار الأنوار ج32 ص23 و 24 والفتنة ووقعة الجمل ص93 و 94.