المكتبة العقائدية » الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 (لـ جعفر مرتضى العاملي)



الصفحة 120

الحقيقية. وها هو يؤكد لهم ذلك بتواريه عنهم داخل البستان، ثم يأمره بإغلاق الباب في وجههم، ليقطع الطريق على أهل الكيد والشنآن، لكي لا يشيعوا أنه (عليه السلام) هو الذي دعاهم إلى ذلك المكان، المنعزل عن الناس، لينفرد بهم، وليفرض عليهم قراره، ورأيه..

فإغلاق الباب، ثم قرع الناس له، واستفتاحهم يدل على أنهم هم الذين كانوا يطلبونه، ويسعون خلفه من مكان إلى مكان، حتى وجدوه في هذا المكان، الذي آثر أن يختفي به عنهم..

ويلاحظ: أن النص لم يصرح بأن الباب قد فتح لهم من قبل أصحاب القرار في فتحه وغلقه. ولا أشار إلى استئذان الناس بالدخول، فحصلوا على الأذن ممن يحق له أن يأذن، وأن لا يأذن..

بل النص يقول: قرعوا الباب، فدخلوا، فلعلهم تكاثروا على الباب، وعالجوه وفتحوه، ودخلوا من غير اذن.

ولعل الراوي اختصر الكلام، وطوى بعضه اعتماداً على معرفة الناس بالحال التي جرت عليها الأمور..

وظاهر النص: أن البيعة الأولى كانت في داخل ذلك البستان.

تشاؤم لا مورد له:

لقد خاب فأل حبيب، وتم الأمر لعلي (عليه السلام)، وحارب أعداء الله. وقام بالأمر أكثر من خمس سنوات..

ونكثُ الناكثين لبيعته، وحربُ القاسطين والمارقين له لا يضره (عليه


الصفحة 121

السلام).. كما لم يضر النبي (صلى الله عليه وآله) حربه للمشركين في بدر وأحد، والأحزاب، وحنين، وسواها.. وكذلك حربه لليهود في فينقاع، والنضير وخيبر. وحربه للنصارى في مؤتة..

وهذا الحال ينسحب على الكثيرين من الحكام والخلفاء الذين حاربوا من اعتبروهم اعداء لهم.. سواء أكانوا محقين في حربهم أم مبطلين..

اليد الشلاء:

زعموا: أن طلحة كان أول من بايع علياً (عليه السلام)، وكانت يده شلاء.. فنظر إليه حبيب بن ذؤيب، فقال: أول من بدأ بالبيعة يد شلاء. لا يتم هذا الأمر(1).

وفي نص آخر: أنه (عليه السلام) صعد المنبر، فصعد إليه طلحة بن عبيد الله، فصفق على يده، ورجل من بني أسد يزجر الطير قائم ينظر إليه.

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج4 ص428 و 435 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص451 و 456 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص351 وراجع: تاريخ مختصر الدول ص105 ونهاية الأرب ج20 ص10 وبحار الأنوار ج32 ص7 ونور الأبصار (ط اليوسفية) ص88 وراجع: العقد الفريد ج4 ص310 والمغني لعبد الجبار ج20 ق2 ص66 والكامل في التاريخ ج3 ص191 والبداية والنهاية ج7 ص238 و (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج7 ص253 وتذكرة الخواص ج1 ص347 وأنساب الأشراف (تحقيق المحمودي) ج2 ص205 و 206 وراجع: الفصول المختارة ص181 و 182.


الصفحة 122

فلما رأى أول يده صفقت على يد أمير المؤمنين (عليه السلام) يد طلحة، وهي شلاء قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون. أول يد صفقت على يده شلاء يوشك أن لا يتم هذا الأمر.

ثم نزل طلحة والزبير، وبايعه الناس بعدهما(1).

ونقول:

إن هذا الحديث يستوقفنا من جهات:

أولاً: هل الذي تطير باليد الشلاء هو حبيب بن ذؤيب أو قبيصة بن ذؤيب، أو قبيصة بن جابر(2). أو رجل من بني أسد؟!

ثانياً: إن هذا التطير لا أثر له، فقد تم الأمر لعلي (عليه السلام)، وحارب أعداءه، وحكم الناس عدة سنوات، ثم تم الأمر لولده الحسن من بعده.

ثالثاً: ورد النهي عن الطيرة، والتطير. وقد روي أنه (صلى الله عليه وآله) كان لا يتطير من شيء(3). وكان (صلى الله عليه وآله) يحب الفأل

____________

1- الجمل للشيخ المفيد ص130 و (ط مكتبة الدواري ـ قم) ص65 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ح4 ص7 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص435 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص451 و 456 والكامل في التاريخ ج3 ص194.

2- الفتوح لابن أعثم ج2 ص246 وأنساب الأشراف (تحقيق المحمودي) ج2 ص205 و 206.

3- مسند أحمـد ج1 ص257 و 304 و 319 وج5 ص347 ومجمع الزوائـد ج8 = = ص47 ومسند أبي داود الطيالسي ص350 وأمالي المحاملي ص281 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص114 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص136 وفيض القدير ج5 ص183 والكامل لابن عدي ج5 ص255 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص231 وسن أبي داود (كتاب الطب) باب 24.


الصفحة 123

الحسن، ويكره الطيرة(1).

وحديث: لا عدوى ولا طيرة روي في صحاح أهل السنة وغيرها(2).

____________

1- راجع: مكارم الأخلاق، الطبعة الأولى ج1 ص191 والبحار ج92 ص2 و 3 وفي ج74 ص165: إن الله تعالى يحب الفأل الحسن، وعوالي اللآلي ج1 ص291 وميزان الحكمة ج2 ص1760 وج3 ص2348 ومسند أحمد ج2 ص332 وسنن ابن ماجة ج2 ص117 وعن فتح الباري ج10 ص181 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص225 وصحيح ابن حبان ج13 ص49 وشرح النهج للمعتزلي ج14 ص230 وموارد الظمآن ص346 والجامع الصغير ج5 ص294 وكنز العمال ج7 ص136 وج10 ص115 وفيض القدير ج5 ص294 وكشف الخفاء ج1 ص66 ومعجم البلدان ج5 ص102 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص117 والكنى والألقاب ج1 ص293.

2- راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج7 ص17 و 27 و 31 و 32 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص31 و 32 و 33 و 34 ومسند أحمد ج1 ص180 و 269 وج2 ص24 و 153 و 222 و 420 و 434 و 507 وج3 ص130 و 154 و 173 و 178 و 251 و 276 و 278 و 293 وسنن ابن مـاجـة ج1 = = ص34 وسنن أبي داود ج2 ص231 و 232 وسنن الترمذي ج3 ص85 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص216 وج8 ص139 وبحار الأنوار ج60 ص18 و 315 وج62 ص82 وج72 ص131 وج55 ص318 وكنز العمال (ط الهند) ج10 ص68 ـ 73 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص506 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص370 والأمالي للمرتضى ج2 ص44 وج4 ص110 والفصول المهمة للحر العاملي ج3 ص281 ومصادر أخرى كثيرة.


الصفحة 124

رابعاً: إن صح هذا الحديث، فلا بد أن يحمل على أنه قيل من عدو وحاقد، أو معاند يريد أن يضعف أمر علي (عليه السلام)، ويزعزع ثقة الناس بحكومته.

علي (عليه السلام) يخبر.. ولا يتطير:

وروي عن علي (عليه السلام) أيضاً: أن أول من صعد المنبر طلحة، فبايعه بيده. وكانت أصابعه شلاء، فتطير منها علي (عليه السلام)، فقال: ما أخلقها أن تنكث.

ثم بايعه الزبير وسعد، وأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) جميعاً(1).

____________

1- راجع: المستدرك للحاكم ج3 ص114 والمعيار والموازنة ص22 و 51 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص31 والإمامة والسياسة ج1 ص66 والعقد الفريد ج3 ص311 والمناقب للخوارزمي ص49 وأسد الغابة ج4 ص31 وكشف الغمة ج1 ص150 وتذكرة الخواص ج1 ص346 وجواهر المطالب للباعوني ج1 ص294.


الصفحة 125

وفي نص آخر: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (يد شلاء، أمر لا يتم. ما أخلقه أن ينكث بيعته)(1).

ونقول:

أولاً: إن علياً (عليه السلام) لا يمكن أن يتطير بعد أن ورد النهي عن الطيرة(2) كما تقدم.

____________

1- راجع: تذكرة الخواص ج1 ص346.

2- راجع: باب النهي عن الطيرة في بحار الأنوار ج55 ص312 فما بعدها.. ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص361 باب استحباب ترك التطير والخروج يوم الأربعاء ونحوه خلافاً على أهل الطيرة، وتوكلا على الله.. و (ط دار الإسلامية) ج8 ص262 وراجع: ومسند أبي داود ص150 وشرح معاني الآثار ج4 ص313 ومسند أحمد ج3 ص477 وج5 ص60 وسنن أبي داود ج2 ص230 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص139 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص225 وصحيح ابن حبان ج13 ص502 والمعجم الكبير للطبراني ج18 ص369 ورياض الصالحين للنووي ص654 وموارد الظمآن ج4 ص414 والجامع الصغير للسيوطي ج2 ص196 والعهود المحمدية للشعراني ص879 وتهذيب التهذيب ج3 ص60 وتهذيب الكمال ج7 ص474 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص173 وكشاف القناع للبهوتي ج6 ص394 ومكارم الأخـلاق للطـبرسي ص350 والفصول المهمـة للحر العامـلي ج3 ص340 = = والغدير ج3 ص44 وسنن النبي (صلى الله عليه وآله" للسيد الطباطبائي ص135 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص308.


الصفحة 126

ثانياً: لا مجال للقبول بأنه (عليه السلام) قد قال ذلك حين البيعة حتى على سبيل الإخبار بالغيب، لأن ذلك خلاف الحكمة وخلاف السياسة، ولا يرضاه منه عقلاء الناس، بل يعتبرونه عدواناً على طلحة، واتهاماً بلا مبرر معقول أو مقبول.

وسيكون طلحة معذوراً حين يكون سلبياً ـ إلى حد ما ـ في تعامله مع أمير المؤمنين (عليه السلام)..

وربما يكون هذا من دواعي التصرف أو الجعل والتزييف في هذه القضية.

ثالثاً: إن القول بأنه (عليه السلام) قد تطير إنما هو اجتهاد من الراوي وتكهن ورجم بالغيب، لأن الله تعالى لم يطلعه على قلب علي (عليه السلام) ليرى فيه التطير أو غيره..

فإن كان (عليه السلام) قد قال شيئاً يشير إلى ذلك، فلا بد أن يكون بعد أن ظهرت بوادر النكث لدى طلحة، وذلك حين خرج إلى مكة. أو في مناسبة أخرى.. تشير إلى الشروع في مقدمات إعلان العصيان.

لباس علي (عليه السلام):

وقد لفت نظرنا: الكيفية التي ظهر فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين البيعة في المسجد.. فكان لباسه (عليه السلام) في غاية التواضع


الصفحة 127

والبساطة، ليس فيه أي شيء يشير إلى مظهر غير عادي، أو يختلف عن مظهره في سائر الأيام.. بل لعله أضاف إلى ذلك المظهر الطبيعي أنه جاء إلى المسجد ونعلاه في يده متوكئاً على قوس، ربما ليشير إلى ما ينتظرهم من مسؤوليات ومهمات، ربما تحتاج إلى استعداد، وإعداد للقوة.. وتهيئة لأسبابها..

جاؤوا بسعد وبابن عمر!!:

وقد أوحت رواية أبي المليح: بأن ثمة ممارسة لأساليب الترهيب والقهر ضد الناس، حيث قالت: جاؤوا بسعد، فقال علي (عليه السلام): بايع.

إلى أن قالت: وجاؤوا بابن عمر، فقال: بايع. الخ.. وإنهما قد امتنعا عن البيعة.. وأن الأشتر (رحمه الله) قال: خل عني أضرب عنقه.

ولا شك في أن هذا من التزوير الرخيص والكذب الصراح..

فأولاً: ذكرنا في موضع آخر: أن جميع الصحابة وغيرهم ممن كان في المدينة قد بايع مختاراً..

ثانياً: إن الرواية نفسها تدل على ما نقول. فقد قالت: إنه (عليه السلام) جاء متوكئاً على قوس، فبايعه الناس. فجاؤوا بسعد، فقال علي (عليه السلام): بايع.

قال: لا أبايع حتى يبايع الناس.. وكذلك قال ابن عمر.

فإذا كان الناس قد بايعوا فما معنى هذا التعلل من سعد، ومن ابن عمر؟!


الصفحة 128

وقد كان المفروض ـ حسب سياق الرواية ـ هو أن يجيبهما علي (عليه السلام) بقوله: ألا تريان الناس قد بايعوا؟! فما معنى هذا التعلل منكما؟!

ثالثاً: لا معنى لقول الأشتر: خل عني أضرب عنقه، فإن أحداً لم يكن ممسكاً بالأشتر ليصح قوله: خل عني الخ.. إذ التعبير المناسب في مثل هذه الحال هو أن يقول: خلني.. أو ائذن لي أضرب عنقه.

رابعاً: إن علياً (عليه السلام) قد اشترط عليهم أن يبايعوه طائعين، فكيف يقول الأشتر هذا القول مع وجود هذا الإشتراط؟! ألا يخشى من أن يتخلى علي (عليه السلام) عن هذا الأمر، بحجة أنهم قد نقضوا ما اشترطه عليهم في أول لحظة؟!

ولماذا لم يعترض علي (عليه السلام) على الأشتر، ولم يتهدده بذلك؟!

بيعة الزبير وطلحة لعلي (عليه السلام):

سبق أن قلنا: إن عمر بن الخطاب بايع أبا بكر ليكون له الأمر من بعده. فكان الأمر كذلك، حتى إن عثمان كتب اسم عمر في وصية أبي بكر في حال غشية أبي بكر، فلما أفاق لم يعترض عليه، بل أيد وأكد..

وإنما فعل عثمان ذلك، لأنه أراد أن يرد له عمر هذا الجميل من بعده، فكان له ذلك.. فدبر أمر الشورى، وجعل ابن عوف حكماً.

فحكم ابن عوف لعثمان أيضاً، ليرد إليه عثمان الأمر أيضاً من بعده، ويكون شريكه فيه، كما كان عمر مع أبي بكر فخاب فأله، وتلاشى أمله..

وكان عمر قد حذر عثمان من أن يقدم أقاربه على غيرهم ـ ولعل عمر


الصفحة 129

يقصد بذلك الغير ابن عوف نفسه ـ فلم تنفع وصية عمر هذه، واختار أقاربه، وقدمهم بالفعل..

وربما يكون تحذير عمر لعثمان من ذلك خوفاً من أن تصل الأمور إلى حد ينتقض الأمر على عثمان، وتفلت الأمور من يده، وينتقض الأمر على معاوية بسبب حمل عثمان على رقاب الناس، حيث يظهر من بعض النصوص أن عمر كان له هوى بمعاوية. ويجب أن يصل الأمر إليه فخاف أن تجري الأمور بعكس ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإن ابن عوف لما أدرك أنه لن يصل إلى ما أمَّل، نابذ عثمان، وصار يسعى في عزله إلى أن مات قبله.. وتحقق مصداق قول علي (عليه السلام) لهما: (دق الله بينكما عطر منشم).

ثم قتل طلحة والزبير عثمان، طمعاً في أن يكون لهما الأمر من بعده أيضاً، فوجدا أن ذلك مستحيل مع وجود علي (عليه السلام)، فإن الناس تداكوا عليه لبيعته، حتى لقد كاد بعضهم يقتل بعضاً. فاضطرا إلى أن يبايعاه، على أمل أن يشركهما في شيء مما في يده، ثم أن يكون لهما الأمر من بعده.

فلما وجدا أن آمالهما تتبخر أيضاً، نابذاه واتهماه، وحارباه. وقد صرح الزبير بقوله: ما اللوم إلا علينا، كنا معه أهل الشورى ثلاثة (وهم: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص)، فكرهه أحدنا ـ يعنى سعداً ـ وبايعناه، فأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجوناه


الصفحة 130

أمس، ولا نرجو غداً ما أخطأنا اليوم(1).

طلب ورفض:

قال اليعقوبي ما ملخصه:

وقد بايعه (عليه السلام) الناس إلا ثلاثة من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وكان لسان القوم، فقال له: يا هذا، إنك قد وترتنا جميعاً: أما أنا فقتلتَ أبي يوم بدر صبراً. وأما سعيد فقتلتَ أباه يوم بدر، وكان أبوه نور قريش. وأما مروان فشتمت أباه، وعبت على عثمان حين ضمه إليه.

إلى أن قال: وتبايعنا على أن تضع عنا ما أصبنا، وتعفي لنا عما في أيدينا، وتقتل قتلة صاحبنا.

فغضب علي (عليه السلام) وقال: أما ذكرت من وتري إياكم، فالحق وتركم. وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حق الله.

وأما إعفائي عما في أيديكم، فما كان لله وللمسلمين، فالعدل يعدل بينكم.

وأما قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غداً.

ولكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة رسوله، فمن ضاق عليه الحق،

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج7 ص42 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص51 و (تحقيق الشيري) ج1 ص71.


الصفحة 131

فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم(1).

وقال المعتزلي: (قد كان عثمان أقطع كثيراً من بني أمية، وغيرهم من أوليائه وأصحابه قطائع من أرض بيت المال، صلة لرحمه)(2).

وقال ابن أعثم:

وذكروا: أن علياً (عليه السلام) بعث إلى مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، فقال لهم: ما لي أراكم قد أبطأتم عن بيعتي؟!

قال: فتكلم الوليد بن عقبة، فقال: يا أبا الحسن، إنك وترتنا بأجمعنا، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم مكة(3)، وخذلت أخي عثمان بن عفان فلم تنصره، وأما سعيد بن العاص، فقتلت أباه يوم بدر وكان سيد بني أمية، وأما مروان فسحقت أباه عند عثمان لما رده إلى المدينة وضمه إليه.

ونحن نبايعك الآن على أن تقتل من قتل صاحبنا عثمان، وعلى أنك تسوغنا ما يكون منا، وعلى أنَّا إن خفناك على أنفسنا لحقنا بالشام عند ابن عمنا معاوية.

فقال علي (عليه السلام): أما ما ذكرتم أني وترتكم فإن الحق وتركم.

وأما وضعي عنكم ما يكون منكم فليس لي أن أضع عنكم حقاً لله

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص178 و 179 بتصرف، وراجع: نهج السعادة ج1 ص216 و 217.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص269.

3- الصحيح: يوم بدر.


الصفحة 132

تعالى قد وجب عليكم.

وأما قتلي لقتلة عثمان فلو لزمني اليوم قتلهم لقتلتهم أمس.

وأما خوفكم إياي فإني أؤمنكم مما تخافون.

قال: فقال له مروان: أفرأيت إن نحن لم نبايعك ماذا تصنع بنا؟!

فقال علي (عليه السلام): أصنع بكم أني أحبسكم حتى تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، وإن طعنتم ذلك عاقبتكم أشد العقوبة.

قالوا: فإننا نبايع.

قال: فبايع مروان، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص صاغرين.

ثم إن الوليد بن عقبة أنشأ أبياتاً مطلعها:


تقدمت لما لم أجد لي مقدماً أمامي ولا خلفي من الموت مرحلاً


إلى آخرها(1).

قال: فبلغ علياً هذا الشعر، فأرسل إلى الوليد بن عقبة، وإلى صاحبيه

____________

1- في موضعها خمسة أبيات لكنها مطموسة، وفي الترجمة ص164.


تقدمت لما لم أجد لي مقدماً أمامي ولا خلفي من الموت مرحل
وأودي ابن أمي والحوادث جمة فوافى المنايا والكتاب المؤجل
أتيت علياً كنت راض بأمرهولاناظر فيه محق ومبطل

لعله: أتيت علياً (عليه السلام" ليس راض بأمره.

وأقول: لعلها: لست راض.


الصفحة 133

مروان وسعيد بن العاص، فقال: إن خفتم من أمري شيئاً أمنتكم منه، وإن أبيتم إلا ما في أنفسكم فالحقوا بأي بلدة شئتم.

فقال مروان: لا بل نقيم.

فقال علي (عليه السلام): ذاك إليكم.

قال: فأقام القوم بالمدينة، فقال رجل: يا مروان! كم أتت عليك من السنين؟! فلست من أعمارنا، وذلك لأنَّا لا نأمن علياً على أنفسنا.

قال: فقال الرجل: يا مروان! احذر علياً ولا يبلغه عنك هذا.

فقال مروان: والله ما أبالي أن قصَّر عني يده، وإن طوَّل عليَّ لسانه.

فقال له الرجل: مهلاً! فإنه إن طال عليك لسانه طال عليك سيفه.

فقال مروان: كلا، إن اللسان أدب، والسيف خطر.

قال: ثم انصرف مروان إلى منزله، وجعل يقول أبياتاً مطلعها:


إن تكن يا علي لم تصب الذنـ ـب جهاراً فإن ذلك سراً

إلى آخرها.

قال: ففشا هذا الشعر بالمدينة، وهمَّ المسلمون بقتل مروان، فقال علي (عليه السلام): دعوه فإنه لم يرد بهذا الشعر غيري.

قال: وبلغ الوليد بن عقبة ما قاله مروان، فعذله على ذلك، وبعث إليه أبياتاً مطلعها:


الصفحة 134


حللت المدينة رخو الخناق وقد كانت النفس عند الحقم(1)


إلى آخرها.

قال: ففشا هذا الشعر وبلغ علياً، فقال: كل ما قال حسن إلا البيت الأخير، فإنه يخوفنا فيه بحربه إيانا.

قال: فكف مروان بن الحكم، ولم يقل شيئاً(2).

____________

1- قال محقق الكتاب في الهامش: في د: موضعها أبيات كما يليه:


يقول علي برخو الخناق ومن ذا يناظره إن عزم

في د: رخو وصححناه ليستقيم الوزن.


فــإيـــــاك إيـــاك لا تـــغــــره بـنـفـسـك عـنـد انـقـطاع الحزم
فـــإن عــلــيــــاً لـــه صـــورةإذا مــا نَــتَــبّــعْ فــداء حـســم

في د: داء. فزدنا فيه حرفاً ليستقيم الوزن.


فــإن قــال قـــولاً لـــه عــلـــةفـقـل عـنــد أول حـــرف نـعـم
وإن غـــرك الــقــوم (في) حلمـهفـلا تــأمــن الليث وقـت الأحم
وإن جــرَّؤوك عـــلـــى حــربـهفـقـل فـي لـســانــي عـنـها بكم
ولا يـبـسـطـن إلـيــه الـيــديــنولا يـنـقـلــن إلــيـــه الــقـــدم
إلــى أن تــرى الـكف فيها البنانوقــرنـــا... لــنـــا قـــد نـجم

موضع النقاط مطموس في د.

2- كتاب الفتوح لابن أعثم ج2 ص259 ـ 262 و (ط دار الأضواء سنة 1411) ج2 ص442 ـ 444.


الصفحة 135

ومما يدل على بيعة مروان لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه بعد هزيمتهم في حرب الجمل أراد مروان أن يبايع الإمام (عليه السلام)، فلم يرض (عليه السلام) وقال: أولم يبايعني بعد قتل عثمان؟! لا حاجة لي في بيعته، إنها كف يهودية(1).

ولعله (عليه السلام) يقصد تشبيهه باليهود الذين ينكثون عهودهم باستمرار..

ونقول:

1 ـ إن مجرد السؤال عن سبب الإبطاء عن البيعة لا يعد إكراهاً. ولم نجد ما يدل على أن المسؤولين كانوا خائفين من شيء، بل كانوا يعيشون بأمن وسلام في بيوتهم، ولعل سياق ما جرى يدل على أنهم كانوا بانتظار هذا السؤال ليساوموا على هذه البيعة، وليحصلوا على امتيازات بسببها ومن خلالها.

2 ـ والغريب هنا: أن يبلغ الأمر بالوليد بن عقبة في أمنه لجانب علي (عليه السلام): أن يعتذر له عن تخلفه عن بيعته بأعذار من هذا القبيل، فإن العذر الذي ساقه الوليد عن نفسه وعن صاحبيه يتضمن أمرين:

أحدهما: أنه (عليه السلام) خذل عثمان، وقد تجاهله (عليه السلام)، ولم يجبه عليه. ربما لأنه لم يرد أن يصرح له بأن نصره لم يكن يجب عليه. لا سيما بعد أن أصر عثمان على مواقفه، وتراجع عن توباته التي أعلنها، ولم

____________

1- نهج البلاغة الخطبة رقم 73 والخرائج والجرائح ج1 ص197 ح35.


الصفحة 136

يف بوعوده التي قطعها، مع علم الوليد وغيره بالجهد الذي بذله (عليه السلام) في سبيل إصلاح الوضع.

الثاني: إنه وترهم جميعاً، فقتل أباه يوم بدر. وقتل العاص أبا سعيد، واتخذ موقفاً سلبياً من إعادة الحكم بن العاص من منفاه.

وقد أجاب (عليه السلام) عن هذا كله بكلمة واحدة، وهي: أن الحق هو الذي وترهم، وهو إنما كان ينفذ هذا الحق، فمعاداتهم يجب أن تكون للحق لا للذي ينفذ أحكامه.. ولا يستطيع أحد أن يقول: إنني لا أريد الحق، ولا أرضاه.

3 ـ ثم يتضاعف العجب، حين ان هؤلاء الثلاثة ـ وهم يعرفون مدى التزامه بالحق وشدته فيه ـ يطلبون منه أن لا يجري عليهم أحكام الله تعالى.

وقد رد (عليه السلام) طلبهم بالاستناد إلى الدليل، لا بالعنف والزجر والتقريع. وبين لهم: أنه لا يستطيع أن يسوِّغهم ما ليس له الحق في تسويغه. إلا إذا كان يريد أن يكون خائناً للأمانة والعياذ بالله. وهذا ما لا يمكن تصوره في حقه مع تطهير الله له.

4 ـ قد يقال: إنه حين سأله مروان عما يفعله بهم إن لم يبايعوه. أجابه (عليه السلام) بأنه يحبسهم، فإن طعنوا عاقبهم أشد العقوبة.. وهذا معناه: أنه يريد أن يكرههم على البيعة.

وقد يجاب:

أولاً: أن هذا أيضاً لا يعني أنه بصدد إكراههم على البيعة. بل هو حكم المتمرد على أحكام الله، الممتنع عن القيام بواجباته الشرعية.


الصفحة 137

فإن من تكون الأمور واضحة له، وليس له أي عذر في الإمتناع عن البيعة سوى أنه يريد أن يقبض ثمنها انتهاكاً للحرمات، وتعدياً على المحرمات، ويرى أن له الحق في الخلاف، وفي فعل أي شيء ما دام أنه لم يبايع ـ إن من يكون كذلك ـ فلا بد من حبسه، لمنعه عن الإفساد والفساد، وحمله على الإلتزام بأوامر الله تبارك وتعالى، والخضوع لأحكامه..

وقد يشهد لذلك: بأنه (عليه السلام) لم يقل لمروان: أجبركم على البيعة، أو أحبسكم حتى تبايعوا، بل قال له: أحبسكم حتى تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون، فيمكن أن يكون المراد بالحبس المنع، ولعله يريد به المنع من السفر، والتنقل في البلاد لإضلال العباد لا وضعهم في الحبس المعروف. وأن يكون المراد بالدخول فيما دخل فيه المسلمون هو القبول بالإلتزام بأحكام الله، والعمل بشرائعه. ثم أن يكون المراد بالطعن شق العصا، والتمرد والخروج، وإعلان الحرب عليه.

ثانياً: يمكن أن يكون قوله (عليه السلام): (أحبسكم حتى تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون) مدسوساً في كلام علي (عليه السلام)، أو محرفاً تحريفاً أريد له أن يكون شنيعاً. يصل بها إلى حد المناقضة لأقواله الأخرى الناطقة بأنه لا يكره أحداً على البيعة.

أما ما نسب إليه من أنه قال: لو كرهه رجل واحد لم يرض بالخلافة من الأساس.. فهو غير مقبول إن كان المقصود ظاهره، لأن طلحة والزبير مثلاً قد بايعاه، ولكنهما كانا كارهين لبيعته، وإن كانا غير مكرهين عليها.

إلا إن كان المقصود الكراهة التي تحتاج إلى إكراه.. لا مجرد الكراهة


الصفحة 138

القلبية.

والشاهد على أن المطلوب هو الطعن في خلافته (عليه السلام) على النحو الذي ذكرناه، ما يلي:

ألف: قول الرواية نفسها بعد ذلك: (فبايع مروان والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص صاغرين.

ب: إن الشعر المنسوب للوليد بن عقبة يدل على ما نقول أيضاً، فقد قال:


تقدمت لما لم أجد لي مقدماً أمامي ولا خلفي من الموت مرحلاً

إلا إن كان يريد أنه تقدم في الدفاع عن عثمان حين ضاقت الأمور، ولم يجد بداً من مواجهة الموت.

ولكن إرسال علي (عليه السلام) إليهم بما يطمئنهم يدل على أنهم يريدون التعبير عن خوفهم من علي (عليه السلام) نفسه.

ج: لو أن علياً (عليه السلام) يريد أن يحبسهم لمجرد عدم بيعتهم له، لم يقل لهم: إن خفتم من أمري شيئاً أمنتكم منه، وإن أبيتم إلا ما في أنفسكم فالحقوا بأي بلدة شئتم.

بل كان يقول لهم: إن أبيتم إلا ما في أنفسكم عاقبتكم، أو حبستكم حتى تتراجعوا عنه.. فإن الحبس إنما يحتاج إليه من يريد أن يحبس في أمثال هذه الحال..

5 ـ يبدو أن ثمة سقطاً في الرواية المتقدمة أيضاً، وذلك في قول ذلك الرجل لمروان: فلست من أعمارنا، وذلك لأنا لا نأمن علياً على أنفسنا.


الصفحة 139

حيث يبدو أن جواب مروان قد سقط قسم منه. إذ إن كلام الرجل قد تم بقوله: فلست من أعمارنا.. ثم ابتدأت إجابة مروان، وكان آخرها قوله: وذلك لأنا لا نأمن علياً على أنفسنا.. ولذلك عقب ذلك الرجل بقوله: يا مروان، إحذر علياً، ولا يبلغه عنك هذا.

6 ـ ويلاحظ: أن مروان لم يستطع أن يتهم علياً (عليه السلام) بشيء يمكنه أن يأتي عليه بأدنى شاهد، فحاول أن يدعي: أنه (عليه السلام) قد أصاب الذنب سراً.. واعترف بأنه لم يصبه جهاراً.

وذلك يشير إلى حرصه على اتهام علي (عليه السلام) ولو من دون دليل.

ولكن ظهور تنزه علي (عليه السلام) عن أي خطأ، وطهارته من أي ذنب قد أثار حفيظة المسلمين على مروان إلى حد أنهم هموا بقتله. لولا أن علياً (عليه السلام) كان هو المنقذ له، تفضلاً منه وتكرماً.

7 ـ الكلمات المطموسة في البيت الأخير في الهامش هي بيت القصيد، وهي التي لم تعجب علياً (عليه السلام)، ولعل المطموس كان هكذا: (وقرنا لحرب لنا قد نجم). ليدل على أن على مروان أن يبقى في موقع المهادنة لعلي (عليه السلام)، وإظهار الرضا والملاينة، ليتم استعدادهم لحربه (عليه السلام)، ويكون هذا البيت من أدلة تبييتهم نوايا النكث والغدر. وهذا ما حصل وتجسد بالفعل من خلال الوقائع بعد ذلك.

عثمان يصل رحمه:

وتقدم: أن المعتزلي زعم أن عثمان كان يُقْطِعُ أقاربه من أرض بيت المال


الصفحة 140

صلة لرحمه.

ونقول:

أولاً: كان على عثمان أن يصل رحمه من ماله، لا من بيت مال المسلمين.. وهل هذا إلا من قبيل من يسرق المال ثم يتصدق به، ويقول: السرقة سيئة واحدة، والصدقة بعشر حسنات، فيبقى لي تسع حسنات!!..

ثانياً: إن التأمل فيما فعله علي (عليه السلام) يعطي: أنه تعامله مع ما تركه عثمان من مال وسلاح يشبه تعامله مع أصحاب الجمل، فإنه (عليه السلام) اعتبر ما حواه العسكر وما قاتلوه به من الغنائم. ولكنه لم يتعرض لسائر ما تركوه من مال وسلاح وغيره مما لم يتقووا به..

وهكذا فعل (عليه السلام) مع عثمان، فإنه أخذ السلاح، وسائر ما تقوى به على المسلمين، دون ما عداه. وترك أمواله التي وجدت في داره وغير داره.

ولكنه لم يأخذ سلاح الذين هاجموا عثمان، وقتلوه، ولا أخذ ما تقووا به عليه، ولا تعرض لهم بشيء.

فهل هذا يدل على أنه يعتبرهم محقين في قتالهم لعثمان، وفي قتلهم إياه؟! ويعتبر موقف عثمان الرافض لأي تراجع عن المخالفات التي كانوا يطالبونه بالتراجع عنها، يبيح لهم قتله، لأنه يرفض الانصياع لضروريات الدين، ولصريح القرآن.. ويجعل قتاله لهم بغياً منه عليهم؟!..

ربما.. ولعل.. ولعل.. وربما..

ثالثاً: إنه (عليه السلام) قد قبض الأموال التي للمسلمين، واسترد ما


الصفحة 141

أجاز به عثمان أصحابه وأقاربه.. واسترجع نجائب الصدقة. ولم يرض بما عرضه عليه الوليد، ومروان، وسعيد، بأن يترك لهم ما أصابوه، لأنه لا يحق له التخلي عن أموال المسلمين.. وتعهد لهم بأن يعاملهم بالعدل، وأن يحملهم على كتاب الله وسنة رسوله.

بايعني الذين بايعوا عثمان:

وربما يقال: إن بيعة عثمان صحيحة.. وكذلك البيعة لأبي بكر وعمر، لأن علياً (عليه السلام) استدل على صحة بيعته بقوله: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر، وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا)(1).

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص7 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص28 وج4 ص23 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري مجلد واحد) ص292 وبحار الأنوار ج32 ص368 وج33 ص76 و 144 والغدير ج10 ص316 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام" للنجفي ج5 ص453 ونهج السعادة ج4 ص90 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص75 وج14 ص35 ونور الثقلين ج1 ص551 والأخبار الطوال ص156 و 157 وتاريخ مدينة دمشق ج59 ص128 وصفين للمنقري ص29 والإمامة والسياسة ص93 و (تحقيق الزيني) ج1 ص84 و (تحقيق الشيري) ج1 ص113 وكتاب الفتوح لابن أعثـم ج2 ص494 والمنـاقب للخوارزمي ص202 وجـواهـر = = المطالب لابن الدمشقي ج1 ص367 والنجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة لابن ميثم ص84 والعقد الفريد ج5 ص8.


الصفحة 142

وزاد المعتزلي على ذلك: أن هذا يدل أيضاً على أن الإجماع على الإمام غير مطلوب، فإن إمامة أبي بكر قد ثبتت مع مخالفة سعد بن عبادة، إذ لم يبايعه سعد، ولا أحد من أهل بيته وولده، ولم يبايعه في بدء الأمر علي (عليه السلام) وبنو هاشم، ومن انضوى إليهم..

وحمله الإمامية على التقية، إذ لم يكن يمكنه (عليه السلام) أن يصرح لمعاوية بأنه منصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل.

قال المعتزلي: (وهذا القول من الإمامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها، ويصار إليها، ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه)(1).

ونقول:

أولاً: إنه لا ريب في أن الاحتجاج على الخصم بما هو مسلم عنده أسلوب عقلائي صحيح ومقبول.. وهو أقرب الطرق إلى حسم الأمور، وتحقيق النتائج المتوخاة. فليكن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) هنا جارياً على قاعدة إلزام الخصم بما ألزم به نفسه.. وليس هذا من قبيل التقية، كما نقله المعتزلي عن الشيعة.

ثانياً: لا يصح قول المعتزلي: لا دليل للإمامية على النص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ كفى بيوم الغدير دليلاً لهم، فضلاً عن حديث

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص36 و 37.


الصفحة 143

المنزلة: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وغير ذلك مما يورده الإمامية من كتب خصومهم..

والشبهات التي يثيرها خصومهم حول تلك الأدلة، قد أظهر علماء الإمامية زيفها.. ولم يأتهم جواب من أحد على ذلك.

ثالثاً: قوله (عليه السلام) عن المهاجرين والأنصار: (فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا)، لا يدل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.. ولكنه يصحح خلافة علي (عليه السلام) فقط، لأن المقصود باجتماع المهاجرين والأنصار هو اجتماع الفئات المتباينة في نظرتها وفي توجهاتها. وفي نهجها. ولم يجتمع المهاجرون والأنصار على أبي بكر لمخالفة فريق سعد بن عبادة، وفريق بني هاشم ومن تابعهم..

وخلافة عمر فرع عن خلافة أبي بكر، كما أن خلافة عثمان قد استندت إلى خلافة أبي بكر أيضاً، فإذا لم تصح هذه لم يصح ما بني عليها، واستند إليها..

بل إن خلافة عثمان باطلة بنفسها، لأن مخالفة علي (عليه السلام) فيها الذي يمثل فريق بني هاشم، ومن تابعهم ـ بل ومعه طلحة والزبير أيضاً ـ تكفي لإسقاطها..

والرضا بها تحت وطأة التهديد بالسيف الذي لم يكن إلا بيد ابن عوف، لا يجدي في تصحيحها، فإنه لا بيعة لمكره.

أما خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد قتل عثمان، فقد اجتمعت عليها جميع الفئات، باستثناء ثلاثة رجال من قريش هم: مروان، وسعيد بن


الصفحة 144

العاص، والوليد بن عقبة(1). وربما بعددهم من غيرهم. وهؤلاء لا يمثلون فريقاً يسقط البيعة عن مشروعيتها.. ولم يكن هناك مرشح آخر تكون دعوة هؤلاء له.. كي تعارض دعوتهم إليه إجماع الصحابة على أمير المؤمنين (عليه السلام).

رابعاً: بقي أن نشير إلى سؤال يقول:

إن الذين بايعوا عثمان لم يبايعوا علياً لأن ابن عوف وعثمان كانا قد ماتا. وسعد ابن أبي وقاص لم يبايعه لحسده له، فلم يبق إلا طلحة والزبير. فما معنى قوله (عليه السلام): بايعني الذين بايعوا عثمان؟!

ويجاب: بأن المقصود هو صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصورة عامة.. وامتناع شخص واحد هو سعد ـ الذي كان حسوداً ـ لا يضر في صحة البيعة وفي شمولها.. ولو أضر ذلك، لم تصح بيعة أبي بكر، فإن الذين لم يرضوا بخلافته وبايعوه تحت التهديد كانوا جماعات كثيرة..

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص178 ونهج السعادة ج1 ص216 وراجع: كتاب الفتوح لابن أعثم ج2 ص442.


الصفحة 145

الفصل الخامس:

البيعة برواية ابن أعثم..


الصفحة 146

الصفحة 147

البيعة برواية ابن أعثم:

قال ابن أعثم:

قال: وأقبل الناس إلى علي بن أبي طالب بعرف الضبع فقالوا: يا أبا الحسن! إنه قد قتل هذا الرجل، ولا بد من إمام، وليس لهذا الأمر أحد سواك، فهلم فبايع الناس حتى يدفن هذا الرجل، فإنه في داره قتيل:

فقال علي: لا حاجة لي في البيعة..

فقال له بعض القوم: يا سبحان الله! لم لا تجيب القوم إلى البيعة وقد تعلم أن قتل عثمان كان لله عز وجل رضا؟!

فقال علي: ليس الأمر كما تقولون. لقد قتلتموه بلا دية ولا قود، فدعوني والتمسوا غيري لهذا الأمر، فإني أرى أمراً له وجوه، ولا تقوم لها القلوب، ولا تثبت عليها العقول، فعليكم بطلحة والزبير!

قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير.

فقال علي: أفعل ذلك.

ثم خرج من منزله مع القوم حتى صار إلى طلحة في داره، فقال يا أبا محمد! إن الناس قد اجتمعوا إلي في البيعة، وأما أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتى يبايعك الناس.


الصفحة 148

فقال طلحة: يا أبا الحسن أنت أولى بهذا الأمر وأحق به مني، لفضلك، وقرابتك، وسابقتك.

فقال له علي: إني أخاف إن بايعني الناس واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمر من الأمور!

فقال طلحة: مهلاً يا أبا الحسن! فلا والله لا يأتيك مني شيء تكرهه أبداً.

قال علي (عليه السلام): فالله تبارك وتعالى عليك راع وكفيل!

قال طلحة: يا أبا الحسن نعم!

قال علي (عليه السلام): فقم بنا إذاً إلى الزبير بن العوام.

فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلمه على ما كلم به طلحة، فرد عليه الزبير شبيهاً بكلام طلحة، وعاقده، وعاهده أنه لا يغدر به، ولا يحبس بيعته.

قال: فرجع علي إلى المسجد واجتمع الناس، فقام نفر من الأنصار منهم أبو الهيثم بن التيهان، ورفاعة بن رافع، ومالك بن العجلان، وخزيمة بن ثابت، والحجاج بن [عمرو بن] غزية، وأبو أيوب خالد بن زيد، فقالوا: أيها الناس! إنكم رأيتم ما سار فيكم عثمان، وأنتم اليوم على شرف أن تقعوا في مثلها، فاسمعوا قولنا وأطيعوا أمرنا.

قال: فقال لهم الكوفيون والمصريون: فإننا قد قبلنا منكم، فأشيروا علينا، فإنكم أهل السابقة، وقد سماكم الله أنصاراً، فأمرونا بأمركم.

فقالت الأنصار: إنكم قد عرفتم فضل علي بن أبي طالب، وسابقته،


الصفحة 149

وقرابته ومنزلته من النبي (صلى الله عليه وآله)، مع علمه بحلالكم وحرامكم، وحاجتكم إليه من بين الصحابة. ولن يألوكم نصحاً، ولو علمنا مكان أحد هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به منه لدعوناكم إليه.

فقال الناس كلهم بكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين.

[فقال لهم علي (عليه السلام): أخبروني عن قولكم هذا رضينا به طائعين غير كارهين] أحق واجب لله عليكم؟! أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟!

قالوا بل هو واجب أوجبه الله عز وجل لك علينا.

فقال علي (عليه السلام): فانصرفوا يومكم هذا إلى غد.

قال: فانصرف الناس.

فلما كان من غد أقبل الناس إلى المسجد، وجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!

قال: فصاح الناس من كل ناحية وقالوا: نحن على ما كنا عليه بالأمس، فابسط يدك حتى يبايعك الناس!

قال: فسكت علي، وقام طلحة إلى علي فبايعه، وضرب بيده على يد علي، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحد.

فلما وقعت يده على يد علي قال قبيصة بن جابر: إنا لله وإنا إليه راجعون! أول يد وقعت على كف [علي] أمير المؤمنين يد شلاء، لا والله لا