وفي كتاب آخر (فيما يظهر) من ابن عباس لمعاوية(1).
وقال المسور بن مخرمة لمعاوية: (وما أنت والخلافة يا معاوية؟! وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟! فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير الخ..)(2).
وقال سعنة بن عريض لمعاوية: (منعت ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخلافة، وما أنت وهي، وأنت طليق ابن طليق)؟!(3).
وقال عبد الرحمن بن غنم الأشعري لأبي هريرة، وأبي الدرداء: (وأي مدخل لمعاوية في الشورى، وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة الخ..)؟!(4).
وقال صعصعة بن صوحان لمعاوية: إنما أنت طليق ابن طليق، أطلقكما
____________
1- الإمامة والسياسة ج1 ص97 و (تحقيق الزيني) ج1 ص100 و (تحقيق الشيري) ج1 ص134.
2- الإمامة والسياسة ج1 ص85 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص89 و (تحقيق الشيري) ج1 ص119 والغدير ج9 ص157 وج10 ص31.
3- الوافي بالوفيات ج16 ص92 والنصائح الكافية لابن عقيل ص133 والغدير ج10 ص31 و 177 وعن قاموس الرجال ج5 ص 79 ـ 80.
4- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص850 و 851 وأسد الغابة (ط دار الكتاب العربي ـ بيروت) ج3 ص318 وتهذيب الكمال ج17 ص342 و 343 والغدير ج10 ص31 و 331 و شيخ المضيرة أبو هريرة ص230.
رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأنى تصح الخلافة لطليق؟!(1).
4 ـ إن العدالة شرط في الإمامة بإجماع الأمة. ولو فسق بعد عقد الإمامة له، فقد قال الجمهور: إن إمامته تنفسخ أيضاً(2)، فكيف يرضى ابن عمر بيزيد إماماً للأمة، وحاله ظاهر، لا سيما بعد قتله الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعد وقعة الحرة، وبعد رميه الكعبة بالمنجنيق.. ولا يرضى بأمير المؤمنين (عليه السلام) إماماً وحاكماً؟!
والظاهر: أنه أراد أن يفي بتعهداته لمعاوية الذي أعطاه مائة ألف درهم لأجل البيعة لولده يزيد(3).
____________
1- الغدير ج10 ص31 و 175 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص268 وشيخ المضيرة أبو هريرة ص197 ومروج الذهب ج1 ص78 و (ط السعادة سنة 1377هـ) ج3 ص50 والنصائح الكافية لابن عقيل ص198 وصلح الحسن للسيد شرف الدين ص269 و 358.
2- الجامع لأحكام القرآن ج1 ص232 و (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج1 ص271 والغدير ج10 ص32.
3- الكامل في التاريخ ج3 ص214 و 215 و (ط دار صادر سنة 1368هـ) ج3 ص506 وفتح الباري ج13 ص60 وسير أعلام النبلاء ج3 ص225 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص159 وغريب الحديث للحربي ج3 ص962 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص182 والغدير ج10 ص230 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص60.
5 ـ إن ابن عمر يظهر لنا هنا في صورة الواعظ لأمير المؤمنين، وكأنه يريد أن يتهمه بأنه لم يهتم لدينه، حين قبل الخلافة، وقد كان الأحرى بابن عمر أن يتعلم كيف يكون طلاق المرأة قبل أن يتطاول على باب مدينة علم النبوة وأحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.
6 ـ لا ندري أية شورى قصدها ابن عمر؟! هل هي شورى أبيه عمر؟! أم هي شورى العامة؟! أم هي شورى بمعنى الوصية التي جاءت بعمر؟! أم هي شورى الرجلين؟! أم الأربعة؟! أم الخمسة التي جاءت بأبي بكر؟! أم التي جاءت بعثمان؟!
ولماذا يريد إرجاع الأمر إلى الشورى، ولا يرجعه إلى أهل بدر، أو إلى أهل بدر وأحد، وبيعة الرضوان، أو إلى المهاجرين والأنصار؟!
ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نسأل ابن عمر: هل الشورى التي قصدها ستخلو من الخلاف؟! وهل ستحقق إجماعاً أعظم من الإجماع الذي تحقق على البيعة لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام).. فإن الإجماع الذي حصل عليه لا يمكن اللحاق به في أي وقت، ولم تبلغه أية بيعة، ولا وجد ما يدينه عبر العصور والدهور، ولأجل ذلك استنكر أمير المؤمنين (عليه السلام) كلامه، مذكراً إياه بهذه الحقيقة التي أشرنا إليها، فلاحظ قوله: (أولم يبلغك صنيعهم بي)؟!.
7 ـ إن قول علي (عليه السلام) لابن عمر: قم يا أحمق يشير إلى أنه (عليه السلام) كان قاصداً لمضمون هذه الكلمة في ابن عمر كما اتضح مما سبق، ويؤكده: أن كل أحد حتى الطفل يدرك أن تخلي علي (عليه السلام)
عن الأمر سيضع الأمة على شفير الهاوية، وسينشأ عنه فتنة هائلة، لا تبقي ولا تذر، وإن من يشير بتصرف كهذا، لا بد أن يكون مصاباً في عقله، وفي مشاعره.
8 ـ وما ذكرته الرواية من وساطة أم كلثوم لدى أبيها، بالكف عن ملاحقة ابن عمر، ربما يكون قد ألحق بالرواية لحاجة في النفس.
أولاً: لأن علياً (عليه السلام) إن كان يعرف أن ابن عمر ليس بصاحب سلطان، ولا من رجال هذا الشأن، وكان هذا هو السبب في كفه عنه، فلماذا أرسل لإرجاعه من الأساس؟!
وإن كان لا يعرف عنه ذلك، فلماذا لم يستفسر عن حاله قبل أن يرسل خلفه لإرجاعه؟!
ثانياً: إنه (عليه السلام) قد أرسل من يرد ابن عمر، لأنه يخشى أن يفسد عليه الناس، لا خوفاً من طلبه السلطة، والتصدي لشأن الحكم. فما معنى أن يكف عنه لمجرد أنه ليس بصاحب سلطان؟!
ثالثاً: إذا كان (عليه السلام) يرى أن ابن عمر أحمق، فهل يخاف منه على سلطانه؟! وإذا كان ـ كما قال علي (عليه السلام) ـ ليس هناك أي شيء له تلك القيمة، والجدارة للكلام في موضوع البيعة، فهل يخشى منه على سلطانه؟!
9 ـ إن كلمة علي (عليه السلام) عن ابن عمر: لست هناك، ثم وصفه بالأحمق يدل على مدى ما كان لابن عمر من قيمة لدى علي (عليه السلام).
هذا بالإضافة إلى الشك في موضوع زواج عمر بأم كلثوم.
ابن عمر يفر إلى مكة:
قال البلاذري:
حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان، حدثنا الأسود بن شيبان، أنبأنا خالد بن سمير قال:
غدا علي على ابن عمر صبيحة قتل عثمان، فقال: أيَّم أبو عبد الرحمان، أيم الرجل(1)، اخرج إلينا.
فقال له: هذه كتبنا قد فرغنا منها، فاركب بها إلى الشام.
فقال [ابن عمر]: أذكرك الله واليوم الآخر، فإن هذا أمر لم أكن في أوله ولا آخره، فلئن كان أهل الشام يريدونك لتأتينك طاعتهم، وإن كانوا لا يريدونك فما أنا براد منهم عنك شيئاً.
فقال: لتركبن طائعاً أو كارهاً.
ثم انصرف.
فلما أمسى دعا بنجائبه ـ أو قال: برواحله ـ في سواد الليل. فرمى بها مكة، وترك علياً يتذمر عليه بالمدينة(2).
____________
1- كذا في النسخة، والظاهر: أن فيها تصحيف وحذف، وصوابه: مهيم أبو عبد الرحمان، مهيم الرجل؟! اخرج إلينا. فخرج [ابن عمر] إليه، فقال له: هذه كتبنا قد فرغنا منها... ومَهْيَم ـ كمقعد ـ: ما الذي أنت فيه؟! وما أمرك وشأنك؟!
2- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ص118 و 119.
ونقول:
1 ـ أليس غريباً أن نجد ابن عمر وأمثاله يتمرد على الله ورسوله ويخضعون لمن يظلم الناس، ويرتكب العظائم والجرائم، من أمثال الحجاج الذي رضي ابن عمر بأن يبايع رجله، بدلاً عن يده.
والحال أن الحجاج كان نادرة دهره في عسفه وظلمه، وجرأته على الله سبحانه.. وهو الذي رمى الكعبة بالعذرة بواسطة المنجنيق(1)، وحاول أن يضع رجله على مقام إبراهيم (عليه السلام) فزجره عن ذلك محمد بن الحنفية؟!(2).
ولكنهم يتمردون على أولياء الله، وأحبائه، ويعصون أمر وصيه، وإمامهم، وخليفة زمانهم، ومن بايعوه طوعاً.. ويريدون منه أن يعطيهم كل ما يطلبون، ويوافقهم في كل ما يحبون ويشتهون، ولا يريدون أن يطيعوه في شيء، ولا أن يعينوه ولو بكلمة.. بل هم يريدون إضعافه،
____________
1- عقلاء المجانين ص178 الفتوح لابن الأعثم ج2 ص486. وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص290 والنصائح الكافية ص167 وسنن ابن ماجة ج1 ص623 وتهذيب التهذيب ج2 ص184 و 185 والوافي بالوفيات ج11 ص240.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص84 و (ط دار صادر) ج5 ص113 والمصنف للصنعاني ج5 ص49 وربيع الأبرار ج1 ص843 وسير أعلام النبلاء ج4 ص126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص192.
وتوهين أمره وكسره، فراجع مواقف ابن عمر السلبية تجاه علي(عليه السلام).
2 ـ إن ابن عمر لا يرضى بحمل كتاب من قبل علي (عليه السلام) لمعاوية، مع أن معاوية لا يجرؤ على الإساءة إليه ولو بكلمة، مراعاةً لمقام أبيه، ومعرفة منه بما يترتب على تلك الإساءة من سلبيات لا يجب أن يتورط فيها..
3 ـ إن استدلال ابن عمر على علي (عليه السلام) لا وقع له، بل هو باطل من الأساس، فقد كان ابن عمر في أول هذا الأمر وفي آخره، فكان من حزب أبي بكر، ومن مؤيديه ومبايعيه، وكان تابعاً لأبيه عمر، ثم كان له دور في الشورى التي رتبها أبوه.. ثم كان مدافعاً عن يزيد، مهتماً بعدم إقدام أحد من أهل بيته على التخلي عن بيعته، بعد قتله الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان من القاعدين عن حرب الناكثين، والقاسطين، والمارقين الذين أخبر عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان كذلك من المهتمين بالبيعة لعبد الملك بن مروان، ولو من خلال بيعته لرجل الحجاج، بالإضافة إلى أن سلبيته مع علي (عليه السلام) من شأنها أن تقوي خصوم علي على علي (عليه السلام).
4 ـ إن علياً (عليه السلام) لم يطلب من ابن عمر أن يأتيه بطاعة أهل الشام، بل طلب منه أن يوصل كتابه إلى معاوية.
فما معنى قوله: (فلئن كان أهل الشام يريدونك لتأتينك طاعتهم، وإن كانوا لا يريدونك فما أنا براد منهم عنك شيئاً)؟!
5 ـ يضاف إلى ذلك: أن قول ابن عمر هذا لا يصح، فإن الدعوة إلى الطاعة والبيعة لازمة، ولا ينتظر فيها ميل الناس، ومبادرتهم. لا سيما مع وجود من يزين للناس العصيان والتمرد من أمثال معاوية، الذي لا يتورع عن الخداع والمكر، الممارس له.
وقد أثبتت التجربة أن أكثر الناس همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق، وأن ثمة من يسعى لحملهم على البيعة، لغير علي (عليه السلام)، لكي يقيدهم ويحجزهم بها عن الاستجابة لدعوة علي (عليه السلام).
وقد حصل نظير ذلك في السقيفة، حيث اعتذر الأنصار للسيدة الزهراء (عليها السلام) عن قعودهم عن نصرتها بسبق بيعتهم لأبي بكر.. فادعوا: أنهم يتحرجون من نقض بيعتهم، مع أن بيعتهم لعلي (عليه السلام) يوم الغدير قد سبقتها، ولم يتحرجوا من نقضها ببيعة السقيفة!!
6 ـ وكان لا بد لعلي (عليه السلام) من أن يعلن لابن عمر أنه ليس فوق القانون، وأن الأحكام تجري عليه كما تجري على غيره، فكونه ابن الخليفة لا يعفيه من القيام بما أوجبه الله عليه، ولذلك قال له (عليه السلام): ( لتركبن طائعاً أو كارهاً)، فإن للإمام أن يجبر من يعصي الله على العودة إلى الطاعة، ولكن ابن عمر أصر على معصية الله بمعصية الإمام المفترض الطاعة، ولو بالفرار إلى مكة.
7 ـ وأما تذمر علي (عليه السلام) على ابن عمر بعد فراره إلى مكة، فيهدف إلى فضح أمره، وتعريف الناس بسوء ما أتاه بامتناعه عن تلبية طلب إمامه، ثم بفراره منه إلى مكة.
وقد اختار ابن عمر مكة بالذات، لأنه يرى أن علياً (عليه السلام) لا يقصده فيها، لأنها حرم الله الآمن.
هل قعدوا عن البيعة أم عن القتال؟!:
قال أبو عمرو: (وتخلف عن بيعته نفر، فلم يكرههم، وسئل عنهم، فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل)(1).
ونقول:
إن هذه الكلمة المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تبدو للوهلة الأولى غير مفهومة.. فهل المراد بالحق الذي قعدوا عنه هو البيعة له (عليه السلام)، أم المراد قعودهم عن نصرة عثمان؟!
فإن كان المراد بالحق هو بيعته (عليه السلام)، فقد عرفنا أن أحداً لم يتخلف عنها، وأن ما زعموه من ذلك فإنما هو إما تشويش على هذه البيعة، أو لعدم التفاتهم للمراد من النصوص التي تلقوها، أو لوقوعهم في الخطأ في فهمها. ثم جاء من بعدهم فتابعهم على هذا الخطأ، أو أنه أخذ بكلامهم لموافقته لهواه، أو لغير ذلك من أسباب..
وإن كان المراد بنصرة الحق هو نصرة عثمان، فنحن نعلم أن علياً (عليه السلام) لم ينصر عثمان إلا بمستوى النصيحة له ولقاتليه، ولم ير وجوب نصرته بأكثر من ذلك..
____________
1- تاريخ الخميس ج2 ص276 وذخائر العقبى ص111 وتهذيب الكمال ج20 ص487.
وكان يرى: أنه استأثر فأساء الإثرة، وجزعوا فأساؤوا الجزع.. ويقول: إن قتل عثمان لم يسره، ولم يسؤه.. وغير ذلك مما تقدم..
والحقيقة: هي أن انضمام هذا النص إلى النصوص الأخرى، يبين: أن مراده (عليه السلام) أنهم قعدوا عن قتال الناكثين والقاسطين والمارقين معه، وقتالهم حق وواجب في شرع الإسلام، لأنهم يخرجون على الإمام المنصوب من قبل الله، الذي بايع له المهاجرون والأنصار، وعامة المسلمين. فبيعته شرعية بجميع المقاييس، والخروج عليه بغي على الإمام يجب على المسلمين دفعه..
وأما كلمة (تخلف عن بيعته)، فهي من كلام الراوي. ولعله اشتبه عليه الأمر، أو انساق وراء أهل الأغراض والأهواء فيه، كما ذكرناه آنفاً.
الفصل الرابع:
البيعة بنظر علي (عليه السلام)..
بيعة علي (عليه السلام) وبيعة غيره:
وروي: أن مما قاله (عليه السلام) لأبي هريرة، وأبي الدرداء ليبلغاه إلى معاوية:
(إن عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين: إما إمام هدى حرام الدم، واجب النصرة، لا تحل معصيته، ولا يسع الأمة خذلانه. أو إمام ضلالة، حلال الدم، لا تحل ولايته ولا نصرته. [فلا يخلو من إحدى الخصلتين].
والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل ـ ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدم أو حرام الدم ـ أن لا يعملوا عملاً، ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدموا يداً ولا رجلاً، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً، عفيفاً، عالماً، ورعاً، عارفاً بالقضاء والسنة، يجمع أمرهم، ويحكم بينهم، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقه، ويحفظ أطرافه، ويجبي فيئهم، ويقيم حجتهم، وجمعتهم، ويجبي صداقاتهم.
ثم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً [ويحاكمون قتلته إليه]، ليحكم بينهم بالحق: فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه، وإن
كان قتل ظالماً نظر كيف الحكم في ذلك.
هذا أول ما ينبغي أن يفعلوه: أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم ـ إن كانت الخيرة لهم ـ ويتابعوه ويطيعوه.
وإن كانت الخيرة إلى الله عز وجل، وإلى رسوله، فإن الله قد كفاهم النظر في ذلك الاختيار، [ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد رضي لهم إماماً، وأمرهم بطاعته واتباعه].
وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان، بايعني المهاجرون والأنصار، بعد ما تشاوروا في ثلاثة أيام، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وعقدوا إمامتهم، ولي ذلك أهل بدر، والسابقة من المهاجرين والأنصار، غير أنهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة [وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة].
فإن كان الله جل اسمه قد جعل الاختيار إلى الأمة، وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم. واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم، وكان من اختاروا وبايعوه بيعته بيعة هدى، وكان إماماً، واجباً على الناس طاعته ونصرته، فقد تشاوروا فيَّ واختاروني بإجماع منهم.
وإن كان الله عز وجل هو الذي [يختار، له الخيرة فقد] اختارني للأمة، واستخلفني عليهم، وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، فذلك أقوى لحجتي، وأوجب لحقي)(1).
____________
1- كتاب سليم بن قيس ج2 ص752 و 753 ومصباح البلاغة (مستـدرك نهـج = = البلاغة) ج3 ص27 و 28 وبحار الأنوار ج33 ص143 و 144 و 145.
ونقول:
قد بين هذا النص أموراً هامة، لا بد من توفيرها بعد قتل الخليفة أو موته، وهي ترتبط بجهات ثلاث، وهي التالية:
1 ـ لزوم نصب الحاكم:
لا يجوز الفراغ في سدة الحكم، بل لا بد من المبادرة إلى ملئها، بل إن هذه المبادرة هي من أوجب الواجبات.. وقاعدة تقديم الأهم تقضي بذلك.
2 ـ صفات الحاكم:
ذكر (عليه السلام) أن من صفات الإمام ما يلي:
ألف: العفة، وقد قدمها على العلم، لأن العلم إذا لم تهيمن العفة عليه، فإنه يصبح أداة لإيذاء الناس، والعدوان على كل ما يعود إليهم، واستغلالهم، واستعبادهم، وما إلى ذلك.
ب: العلم، فلا يجوز تولية الجاهل أمور الناس، لأنه يقودهم بجهله إلى الهلاك، ويوقعهم في المحذور.
ج: الورع عن المحارم، وعدم الانسياق وراء المغريات والشهوات.
د: المعرفة بالقضاء، ليتمكن الناس من حفظ الأنفس والأموال، وإعادة الحقوق لأصحابها، وتأديب المذنبين بالطريقة الصحيحة المشروعة.
هـ: أن يكون عارفاً بالسنة، ليستلهم منها سياساته في مختلف المجالات.
3 ـ مهمات الحاكم:
ثم ذكر مهمات ذلك الحاكم، فكان منها:
ألف: أن يجمع أمر الناس، ولا يدعهم متفرقين. بل إن بعض الحكام هم الذين يذكون الخلافات بين الناس لحفظ سلطتهم بزعمهم.
ب: أن يعمل على توطيد وترسيخ العلاقة والربط والتلاحم بين الناس.
ج: أن يأخذ للمظلوم حقه ممن ظلمه.
د: أن يحفظ أطرافهم.
هـ: أن يجبي فيأهم.
و: أن يقيم لهم حجهم، وجمعتهم، ويتولى هو رعايتهم الدينية، ويهتم بأدائهم لعبادتهم على الوجه الصحيح.
ز: أن يجبي صدقاتهم..
لماذا يتحاكمون؟!:
فإذا قتل الخليفة، ويراد محاكمة قتلته، فذلك يحتم نصب الخليفة الجامع للشرائط المذكورة آنفاً، لأداء مهمات ذكرت، فإذا توفرت هذه الشروط، فإنهم يحتكمون إليه في إمامهم المقتول، ليحكم بينهم بالحق.
فإن كان ذلك الخليفة قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه.
وإن كان قتل وهو لهم ظالم مستحق للقتل نظر كيف يكون الحكم في تلك الواقعة. هذا كله إن كانت إليهم الخيرة في اختيار الإمام.
أما إن كانت الخيرة في الإمام إلى الله تعالى، فإن المطلوب منهم هو مجرد الطاعة للذي اختاره الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) لهم.
مقايسة بين بيعة علي (عليه السلام) وبيعة غيره:
ثم ذكر (عليه السلام): أن بيعته قد حصلت على جميع العناصر التي تؤكد شرعيتها، مهما اختلفت الأنظار في مناشىء الشرعية. فامتازت بذلك على كل بيعة غيرها.
فقد بايعه ليس فقط رجلان، أو بضعة رجال من أهل الحل والعقد، وليس فقط أهل بدر، أو أهل بيعة الرضوان، أو هما معاً، أو السابقون من المهاجرين والأنصار، بل بايعه جميع الأنصار، وبايعه أهل السابقة والفضل من المهاجرين وبايعه أهل الحرمين، وبايعه الذين بايعوا أبا بكر، والذين بايعوا عمر، والذين بايعوا عثمان.
وقد بايعه هؤلاء، مع الفوارق التالية:
أولاً: إن البيعة له كانت عن روية وتبصرٍ، وتأمل منهم، استمر خمسة أيام، ولم تكن مجرد ردة فعل غير مدروسة ولا ناضجة، ولا مسؤولة بخلاف البيعة لغيره، فإنها لم تكن كذلك..
ثانياً: إنها كانت على غير رغبة منه (عليه السلام) ولا سعي.. بل كان لها كارهاً، بخلاف غيره ممن سبقه، فإن رغبته، واندفاعه للبيعة له كانت ظاهرة، بل بلغ بهم الأمر حد استعمال العنف، فضلاً عن التخويف، والتهديد، والترغيب، والرشوة، وما إلى ذلك..
ثالثاً: إن المخالفين للبيعة لغيره كانوا أفاضل الناس، وأهل الدين
والعقل الراجح، وأهل الاستقامة، والعلم والمعرفة، والزاهدين في الدنيا، ولم يكن حال المخالفين لبيعته كذلك..
رابعاً: إن البيعة له (عليه السلام) قد روعي فيها أن تكون الخلافة لمن هو القمة في جامعيته للشرائط المعتبرة في الحاكم.. وقد أظهرت الوقائع أن البيعات الأخرى لم تكن ـ عموماً ـ موفقة في توفير الحد الأدنى من تلك الشرائط، فضلاً عن أقصاها..
خامساً: إن البيعة لغيره اقتصرت على أشخاص أو فئات بعينها، ولم يشارك العامة في الاختيار والرضا فيها، أما البيعة له فقد توفر لها عنصر المشاركة لمختلف الفئات والطبقات، في الرأي، وفي الإختيار، والرضا..
وقد سجل (عليه السلام) هذه الملاحظة بصراحة في كلمته التي نحن بصدد الحديث عنها.
فاجتمع النص الإلهي والنبوي الصريح، مع البيعة في يوم الغدير، ثم مع البيعة بعد قتل عثمان، مع اختيار العامة ورضاهم، بما فيهم أهل بدر، وأهل السابقة، إلى غير ذلك مما تقدم..
سادساً: لقد تحقق الإجماع على البيعة لعلي (عليه السلام)، ولم يتوفر ذلك لأية بيعة أخرى غيرها.
المعيار هو النص، وليس الناس:
إنه (عليه السلام) قد بيّن عدم صحة تصدي الناس لعقد الإمامة، سواء أكانوا من أهل الحل والعقد ـ كما يزعمون ـ أم كانوا من غيرهم. فإن
الأمر لله يجعله حيث يشاء، لأن معنى جعل الاختيار للناس، هو أن يكون اختيارهم ونظرهم لأنفسهم خير لهم من اختيار الله ورسوله لهم..
وهذا ما لا يمكن لمسلم أن يتفوه به، فضلاً عن أن يرضاه ويتبناه..
قياس الأولوية:
إنه (عليه السلام) بعد أن ذكر ذلك كله، جعله ركيزة لقياس الأولوية، الذي هو من الظهورات التي يعتمد عليها في مقام التخاطب، فإذا قال الله للولد عن والديه: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}(1). فُهِمَ من ذلك حرمة ضربهما أيضاً، فكيف بقتلهما؟!
والأمر هنا أيضاً كذلك، فإن البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، إذا كانت منصوصة من الله ورسوله، ومجمعاً عليها من الناس، وقد شارك في الاختيار والرضا جميع الفئات والطبقات، وكانت عن تأمل وروية وتعقل من الجميع، وشارك فيها السابقون الأولون، وأهل بدر، والمهاجرون والأنصار وغيرهم ـ نعم، إذا كان الأمر كذلك ـ فطاعته (عليه السلام) أولى من طاعة من يُبَايَعُ بالطريقة الفاقدة لأكثر أو لجميع هذه العناصر.
الخيار للناس قبل أن يبايعوا:
وقال الشعبي: لما اعتزل سعد، ومن سميناه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتوقفوا عن بيعته، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
____________
1- الآية 23 من سورة الإسراء.
أيها الناس، إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم.
وإن على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم. وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام، واتّبع غير سبيل أهله.
ولم تكن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري و أمركم واحداً، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم. وأيم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن للمظلوم.
وقد بلغني عن سعد، وابن مسلمة، وأسامة وعبد الله، وحسان بن ثابت، أمور كرهتها. والحق بيني وبينهم(1).
ونقول:
1 ـ إن كلام علي (عليه السلام) هنا يدل على أن اعتزال سعد، وابن عمر، وابن مسلمة، وحسان بن ثابت، وأسامة لم يكن عن البيعة، بل كان عن امر تفرض عليهم البيعة القيام به..
إذ هو يقول لهم: إنكم بعد أن بايعتم لا يحق لكم الاعتزال وعدم القيام بما يجب عليكم القيام به.. وإنما يحق لكم هذا قبل أن تبايعوا، أما بعد البيعة فلا خيار لكم.
____________
1- بحار الأنوار ج32 ص33 والإرشاد للمفيد ص130 في الفصل رقم16 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ج1 ص234 ونهج السعادة ج1 ص208 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص196 وأعيان الشيعة ج1 ص444.
وهذا يؤيد بل يدل على صحة قول المفيد وغيره: إنهم قد بايعوا، ولكنهم رفضوا المسير معه للقتال. وطلب أحدهم سيفاً له لسان وشفتان يميز بين المؤمن والكافر..
وزعم آخر: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصاه بأن يتخذ سيفاً من خشب، ويجلس في بيته، ولا يقاتل أحداً.. وما إلى ذلك..
2 ـ إن امتناعهم عن القتال معه يدل على أنهم يريدونه (عليه السلام) لأنفسهم، ولا يريدون ببيعتهم له تحقيق رضا الله تعالى من خلال طاعة أوامره والذب عن دينه وعن عباده..
3 ـ إنهم حين بايعوه وأوجبوا على أنفسهم طاعته، قد أطلقوا هذه البيعة لتشمل جميع الموارد، ولم يستثنوا منها القتال ولا غيره.. تماماً كما بايعوا أبا بكر وعمر، وعثمان من قبل.. فإنهم لم يستثنوا موضوع القتال..
وحين دعاهم أبو بكر وعمر وعثمان إلى المشاركة في الحروب لم يقولوا لهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرهم باتخاذ سيف من خشب، والجلوس في بيوتهم.. ولم يطلبوا منهم سيوفاً لها لسان وشفتان لتخبرهم بالمؤمن فيتركونه، وبالكافر فيقتلونه..
وهذا معنى قوله (عليه السلام): (إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي).. فما معنى هذا التمييز منهم بينه (عليه السلام) وبين من سبقه، فيطيعونهم، ويعصونه. ويطلقون بيعتهم وطاعتهم لهم.. ثم يشترطونها ويستثنون فيها بعد إطلاقها معه؟!.
4 ـ ثم ذكر (عليه السلام) قاعدة كلية صحيحة، تنظم العلاقة بين
الحاكم والرعية، ولا بد من مراعاتها بين الحاكم والمحكوم.. وهي: أن على الحاكم أن يستقيم على جادة الحق، وعلى المحكوم الطاعة والتسليم.
والمفروض: اعتراف الجميع باستقامته (عليه السلام) على طريق الهدى والحق، بل هم يقولون: إنه (عليه السلام) أفضل هذه الأمة وأعلمها. وقد أخبرهم نبيهم: بأنه (عليه السلام) مع الحق ومع القرآن، والحق معه، والقرآن معه..
فهل هناك استقامة أبين وأظهر من هذه الاستقامة، فأين هي الطاعة منهم.
5 ـ وقد أقر (عليه السلام) قاعدة هامة مفادها: أن من رغب عن البيعة العامة، رغب عن دين الإسلام، واتبع غير سبيل أهله..
وذلك لأنه إذا كان المطلوب بالبيعة العامة هو حفظ الكيان العام، مقدمة لحفظ دين الله تبارك وتعالى، وكان الإخلال بالبيعة العامة وما يلزم منها يعطي الفرصة لأعداء هذا الدين، ليوردوا عليه ضربتهم القاصمة، فذلك يعني التخلي منهم عن هذا الدين، والرغبة عنه..
وإذا كان سبيل أهل الإسلام هو أن يؤسسوا وينشئوا الكيان الذي يحفظ وحدتهم، ويزيد من قوتهم، ويؤكد عزيمتهم. والإلتزام بلوازم البيعة هو أحد سبل ذلك، فإن التخلف والرغبة عنها اتباع لغير سبيل أهل الإسلام..
وهذا يؤكد لزوم التدقيق في أية حركة وموقف في هذا الإتجاه.. وأنه لا مجال للحياد. ولا يوجد خيط رمادي، بل هو إما أبيض أو أسود.. وتصبح
القضية مرددة بين خيارين لا ثالث لهما.
فإما البيعة والإلتزام بما تلزم به وحفظ الدين بها، واتباع سبيل المؤمنين، والكون في معسكر الإسلام..
وإما الخروج عن هذا الدين، واتباع سبيل غير المؤمنين..
وتصح هنا القاعدة التي تقول: من لم يكن لنا فهو علينا.. ولا يوجد خيار آخر أبداً، وتبطل مقولة: (لا لنا ولا علينا).
6 ـ ثم إنه (عليه السلام) قد استنتج أن موقف سعد، وابن مسلمة، وأسامة، وحسان، وابن عمر، في دائرة الباطل..
ولأجل ذلك قال: (والحق بيني وبينهم)، ليشير إلى القاعدة القرآنية التي تقول: {فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}(1)، وقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(2)، وآيات كثيرة أخرى..
فإذا لم يكن هؤلاء في دائرة الحق، فهم وفق النص القرآني في الدائرة الأخرى، وهي الباطل لا غير..
7 ـ وقد ظهر: أن قول الشعبي: إنه (عليه السلام) قال كلماته هذه حين بلغه أن سعداً وابن عمر، ومسلمة، وحساناً وأسامة قد توقفوا عن بيعته، غير دقيق. بل هو كلام قاله بعد أن توقفوا عن الخروج معه للقتال، بعد بيعتهم له..
____________
1- الآية 32 من سورة يونس.
2- الآية 24 من سورة سبأ.
ولعل الرواية قد تعرضت لتحريف متعمد، أو ناتج عن سوء فهم، بسبب الشائعات والشبهات التي كانت تثار ضده (عليه السلام) في أكثر من اتجاه..
هل ندم علي (عليه السلام)؟!:
ورووا عن علي (عليه السلام) أنه قال: (لو ظننت أن الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلت فيه)(1).
ونقول:
إن هذه الأباطيل لا يمكن ان تخدع أهل الحق، وهم يعلمون أن الهدف منها هو بلبلة الأفكار، وتسميمها تجاه علي (عليه السلام)، ونحن نلاحظ هنا ما يلي:
1 ـ إن هذا النص المزعوم يريد أن يبطل جميع ما صدر عن علي (عليه السلام) من أخبار عن الغيب، تدل على أنه (عليه السلام) كان عالماً بأدق تفاصيل ما يجري قبل وقوعه.
2 ـ إنهم يريدون الإيحاء بأنه (عليه السلام) هو الذي يقرر الدخول في أمر الخلافة وعدمه، وأنه لم يكن لديه أوامر محددة يعمل بموجبها، ولا كان يعمل بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا كان منصوصاً عليه من الله ورسوله.
____________
1- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص213.
3 ـ إنهم يريدون التسويق لمقولة: أنه (عليه السلام) كان قاصر النظر في السياسة، ولم يكن يعرف طموحات معاوية، وطلحة والزبير، وعائشة، وعداواتهم له، وأنهم لا يرضون منه بالحق والعدل، بل هم سوف يواجهونه بالحرب إن لم يحصلوا على ما يريدون، ولم يستطع أن يحسب الأمور حساباً دقيقاً يمكنه من استشراف الأحداث قبل وقوعها.
4 ـ إنه (عليه السلام) قد أقدم على أمر أوجب له الندم، فدل ذلك على أنه لم يكن مسدداً ولا معصوماً، ولا منزهاً عن الخطأ. فها هو يخطئ في تقدير الأمور، فيدخل فيها، ثم يكتشف خطأه ويندم..
5 ـ ويكذب ذلك كله: أن علياً (عليه السلام) قد أخبرهم قبل أن يدخل في الأمر: بأنهم مقدمون على أمر له وجوه وألوان.. وبأنهم يواجهون فتناً مقبلة عليهم كقطع الليل المظلم، فما معنى القول هنا: بأنه لم يكن يعلم بأن الأمور تبلغ ما بلغت؟!
بل هو قد أخبر بما يكون من طلحة والزبير، ومعاوية، ومن الخوارج بالتفصيل.. وكان (عليه السلام) والناس كلهم يعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عهد إليه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين الذين وصفهم بأنهم شر أهل الأرض، ولا يقتلهم إلا خير خلق الله.



