وإذا تمعّنا في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنّة والجماعة، وجدنا أن الشيعة وحدهم هم الذين اتّبعوا الثقلين : « كتاب الله والعترة النبويّة الطاهرة » بينما أتّبع أهل السنّة والجماعة قول عمر : « حسبنا كتاب الله ».
وليتهم اتّبعوا كتاب الله بغير تأويل حسب أهوائهم، فإذا كان عمر نفسه لم يفهم منه معنى الكلالة، ولا عرف منه آية التيمّم وعدّة أحكام أخرى، فكيف بمن جاء بعده وقلّده بدون اجتهاد، أو اجتهد برأيه في النصوص القرآنية؟! وبطبيعة الحال سوف يردّون عليّ بالحديث المروي عندهم وهو : « تركت فيكم كتاب الله وسنّتي » (1) .
____________
1- حديث الكتاب والسنّة رواه مالك في الموطّأ: ٧٨٥ ح٣ كتاب القدر مرسلا، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١: ٩٣، كتاب العلم، باب خطبته في حجّة الوداع، وأسنده ابن عبد البرّ في التمهيد ٢٤: ٣٣١ ـ ٣٣٢ ح٣٢، قال السيوطي في اللآليء المصنوعة ١: ٨٦ «أسنده ابن عبد البر في التمهيد من طريق كثير عن أبيه عن جدّه. قال الحافظ ابن حجر في أطرافه: فالظاهر انّ مالكاً أخذه عن ابن كثير، والأشبه ابن كثيراً في درجة الضعفاء الذين لا يحطّ حديثهم إلى درجة الوضع».
وأورده أيضاً العقيلي في الضعفاء الكبير ٢: ٢٥١ رقم ٨٠٤ ترجمة عبدالله بن زاهر، وابن عُديّ في الكامل في الضعفاء ٥: ١٠٦ رقم ٩١٨ ترجمة صالح بن موسى الطلحي، وقال فيه: «ثنا العبّاس عن يحيى قال: صالح الطلحي حديثه ليس بشيء. زاد ابن حمّاد وقال في موضع آخر قال: صالح بن موسى، إسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بشيء ولا يكتب حديثهما. ثنا الجنيدي، ثنا البخاري قال: صالح بن موسى من ولد طلحة بن عبيدالله منكر الحديث...».
وهذا الحديث إن صحّ وهو صحيح في معناه، لأنّ معنى العترة بقوله (صلى الله عليه وآله)في حديث الثقلين المتقدّم هو الرجوع إلى أهل بيتي ليعلّموكم أولا سنّتي، أو لينقلون إليكم الأحاديث الصحيحة; لأنّهم منزّهون عن الكذب، وإن الله سبحانه عصمهم بآية التطهير.
وثانياً : لكي يفسّروا لكم معانيها ومقاصدها; لأنّ كتاب الله وحده لا يكفي للهداية، فكم من فرقة تحتجّ بكتاب الله وهي في الضّلالة، كما ورد ذلك عن رسول الله عندما قال : « كم من قاريء للقرآن والقرآن يلعنه » (1) .
فكتاب الله صامت ؛ و حمّال أوجه , و فيه المحكم و المتشابه ، و لا بدّلفهمه من الرجوع إلي الرّاسخين في العلم حسب التعبير القرآني ، و إلي أهل البيت حسب التفسير النّبوي (2) .
____________
1- جامع الأخبار: ١٣٠ ح٢٥٥، عنه البحار ٩٢: ١٨٤ ح١٩ وفيه: «ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه»، تفسير الآلوسي ٢٢:١٩٢.
2- علّق الدكتور ابراهيم الرحيلي في كتابه (الانتصار للصحب والآل ص ٢٠٦) بقوله: «فهل من يعتقد هذا الاعتقاد في كتاب الله من المهتدين أمّ من الضالين المكذّبين؟! إلى قوله: واذا كان هذا الرجل يصرّح بأنّ القرآن وحده لا يكفي لهداية الخلق فهذا أكبر دليل على ضلاله، بل كفره وإلحاده..».
والمؤلّف ذكر كلامه بشكل واضح لا غبش عليه، وبيّن مراده منه من أنّ القرآن الكريم وحده لا يسدّ حاجة الرسالة التي جاء بها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ; لانّ فيه المجمل والمتشابه والعام وغير ذلك.
ومن جانب آخر فالأحكام الصريحة التي طرحها القرآن الكريم ذكرها بنحو كلّي وعام وأوكل شرحها وبيان تفاصيلها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالله سبحانه وتعالى ذكر الصلوات لكنّه أوكل تفصيلها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو الذي بيّن عدد الصلوات المطلوبة وعدد الركعات والسجدات وما يذكر فيها، وكذلك بيّن الزكاة والخمس وأوكل تفصيل المقادير التي تجب فيها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)...، وهناك الكثير من القواعد الكلّيّة المرتبطة بالتشريع سواء من ناحية عباديّة أو معاملة أوكل بيانها إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يذكر في القرآن إلاّ الإشارة إليها بنحو كلّي وعام ومجمل. وهذا معنى احتياج القرآن إلى السنة ـ مع أنّهما شيء واحد لا غير ـ ; لانّ السنّة النبويّة مفسّرة للقرآن الكريم فهي تخصّص مطلقه، وتبيّن مجمله، وتقيّد عامّه، وتوجّه حكمه بالجهة المقصودة لله سبحانه وتعالى، ولأجل ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه» سنن أبي داود ٢: ٣٩٢، مسند الشاميّين ٢: ١٣٧، لسان الميزان لابن حجر ١: ٣ وقال: «حسّنه الترمذي وصحّحه الحاكم والبيهقي».
وفي المستدرك من حديث الحسن قال: «بيّنا عمران بن حصين يحدّث عن سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إذ قال له رجل: يا نجيد حدثنا القرآن! فقال: أنت وأصحابك تقرؤون القرآن! أكنت محدّثي عن الصلاة وما فيها وحدودها؟! أكنت محدّثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟! فقال له الرجل: أحييتني أحياك الله» المستدرك ١: ١٠٩، الثقات لابن حبّان ٧: ٢٤٨، المعجم الكبير للطبراني ١٨: ١٦٦.
فالقرآن يحتاج إلى السنّة النبويّة الشريفة لأنّها الشارحة له والمبيّنة لمقاصده، وهذا ما أطبق عليه علماء السنّة والشيعة معاً قال ابن حزم في الأحكام ١: ٢٠٠ في معرض ردّه على من يأخذ بالقرآن دون السنّة: «ونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أيّ قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأنّ المغرب ثلاث ركعات، وأنّ الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يتجنّب في الصوم، وبيان كيفيّة زكاة الذهب والفضّة، والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحجّ من وقت الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ورمي الجمرات وصفة الإحرام، وما يتجنب فيه، وقطع يد السارق، وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا وأحكام الحدود وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا، والأقضية والتداعي والأيمان والأحباس، والعمرى، والصدقات وسائر أنواع الفقه؟
وإنّما في القرآن جمل لو تركتا وإيّاها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنّما المرجوع إليه في كُلّ ذلك لنقل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)».
ففي عبارته الأخيرة تصريح بأنّ القرآن فيه جمل لا يمكن معرفتها وفهمها إلاّ من خلال بيان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا بعينه ما قصده المؤلف في كلامه.
وذهب ابن حزم إلى أبعد من ذلك حيث كفّر من اقتصر على الأخذ بالقرآن الكريم فقال: «ولو أنّ امرءاً قال: لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمّة، ولكان لا يلزمه إلاّ ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر; لأنّ ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حدّ للأكثر في ذلك. وقائل هذا كافر مشرك حلال الدّم والمال...».
وقال الشيخ محمّد الجامي في كتابه منزلة السنّة في التشريع الإسلامي ١٩: «... إنّ ملّخص معنى السنّة ما أُضيف إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من قول أو فعل أو تقرير، وأنّ السنّة من الوحي الإلهي: (إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)، كما يدلّ على ذلك من السنّة قوله عليه الصلاة والسلام: «الا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه».
فالسنّة ـ اذاً ـ صنو القرآن، وهي وحي مثله، وملازمة له ولا تكاد تفارقه، ولا يكاد القرآن يفهم كما يجب أن يفهم إلاّ بالرجوع إلى السنّة في كثير من آياته، ولاسيّما آيات الأحكام».
وقال الإمام أبو بكر الهمداني في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: ٢٢ وهو يبيّن منزلة السنّة النبويّة من الكتاب، ونقله للحديث المتقدّم (بيننا وبينكم كتاب الله) قال: «.. قلت والمذهب عندنا أنّ السنّة مبيّنة للكتاب، مفسّرة له، هذا أمر مجمع عليه. وقد اختلف النّاس بعد ذلك في مسألتين: أحداهما: جواز نسخ الكتاب بالسنّة. والثانية: نسخ السنّة بالكتاب... أمّا المسألة الأولى في نسخ الكتاب بالسنّة فأكثر المتأخرين ذهبوا إلى الجواز وقالوا: لا استحالة في وقوعه عقلاً، وقد دلّ السمع على وقوعه فيجب المصير إليه.
أخبرني أبو موسى الحافظ أنا أبو علي أنا أبو نعيم.. عن يحيى بن أبي كثير قال: السنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنّة..
ثنا أبو إسحاق الكسائي ثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن».
فهذا يحيى بن أبي كثير يصرّح بأنّ السنّة قاضيّة على القرآن الكريم وهي التي تحكمه وتبيّنه وتفسّر مقاصده.
وابن مكحول يصرّح بأنّ القرآن محتاج إلى السنّة النبويّة ; لأنّها شرح لما أجمله الله سبحانه وتعالى في كتابه، وبيان تفاصيل الأحكام العامة التي وردت في القرآن الكريم، وبدونها لا يمكن فهم القرآن أو الوصول إلى مراده، ولذلك ذهب العلماء إلى تضليل من تعلل بظاهر القرآن وترك السنن النبويّة، وحكموا بضلاله وغوايته قال القرطبي في تفسيره ١: ٣٨ في تفسيره للحديث النبوي «أوتيت الكتاب ومثله معه»:... وقوله: «يوشك برجل شبعان» الحديث. يحذّر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنّها مما ليس له في القرآن ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض، فإنّهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب. قال: فتحيّروا وضلّوا.
إلى أن يقول: عن عمران بن حصين قال لرجل أحمق: أتجد الظهر في كتاب الله أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة؟! ثُمّ عدّد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثُمّ قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسّراً؟!
إن كتاب الله تعالى أبهم هذا وأنّ السنّة تفسره».
وفي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ: ٥١٧: «قال الأوزاعي الكتاب أحوج إلى السنّة من السنّة إلى الكتاب».
وقال محمّد أبو زهو في كتابه الحديث والمحدّثون في معرض ردّه على من ينكر الاحتجاج بالسنّة قال:٢٠: «هؤلاء القوم محجوجون بالأدلّة السابقة وبغيرها مثل قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فلو كان القرآن في غنىً عن السنّة لما كان لهذه الآية معنىً، ونحن اذ نتمسك بالسنّة ونعمل بما جاء فيها إنّما نعمل بكتاب الله قيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدّثونا إلاّ بالقرآن؟ فقال: والله ما ينبغي بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم منّا بالقرآن وقال عبد الله بن مسعود(رضي الله عنه): «لعن الله الواشمات والمتوشّمات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله»، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت: يا أبا عبد الرحمن، بلغني أنّك لعنت كيت وكيت! فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو في كتاب الله! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)؟ قالت: بلى! قال: فإنّه قد نهى عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)..».
وممّا يدلّ على أن القرآن بحاجة إلى مفسّر ومبيّن وشارح لحديث الرسولوالذي تواتر عند الطرفين وهو قوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
وقال الأستاذ علي حسيب الله في مقدّمته لكتاب السنة قبل التدوين: ٦: «... ولا خفاء بعد هذا في أنّ كتاب الله هو أصل دينه، وأنّ سنّة نبيّه ـ قوليّة كانت أو فعليّة ـ هي الموضّحة لأحكامه، والمفصّله لإجماله، والهادية إلى طريق تطبيقه، فهما صنوان لا يفترقان ومنبعان للشريف متعاضدان... وقد ابتلى المسلمون في كُلّ عصر من العصور بمن يحاول صرفهم عن الإسلام، تارة بالطعن في كتابه، وأُخرى بمحاولة انتقاصه من أطرافه، بالطعن في السنّة التي تفصّل ما أُجمل منه، وتوضّح ما خفي، وكأنّهم حين وقفوا من القرآن أمام جبل شامخ لا يلين ورجعوا بعد العناء طرقاً، وتكلّفوا شططاً، فمنهم من تجنّى على الرواة وطعن في عدالتهم وصدقهم، ومنهم من طعن في متن الحديث فأنكر منه ما لم يوافق هواه، ومنهم من ادّعى انقطاع الصلاة بين الرسول وما يروى عنه، وتعذّر تمييز الصحيح منه من السقيم لإهمال تدوينه نحو قرنين من الزمان، وانتشار وضع الحديث انتصاراً لرأي أو إبطالاً لمذهب فدعا إلى إهمال الحديث جملة والاكتفاء بالقرآن الكريم، ومن المؤسف حقّاً أن يقول بهذا الرأي من يزعم أنّه من المسلمين».
وقال الشيخ سليمان النّدوي: «إن الذين أرادوا أو يريدوا أن يفرّقوا بين القرآن والسنّة، فيقبلوا القرآن، ويردّوا السنّة قد ابتعدوا عن الصراط المستقيم أو يبتعدون.
فانّهم يحاولون أن يفهموا من القرآن حسب ما يدركونه بعقولهم ويجعلوا استنباطهم من القرآن كلّ ما للإسلام من تعاليم صحيحة ويكتفوا بذلك دون غيره.
هيهات فإنّهم مبتدعون ضالّون» مقدّمة كتاب تدوين حديث: ٥ .
وقال الشيخ المحدّث محمّد أبو شهيد أستاذ الأزهر: «قد ظهرت فئة في القديم والحديث تدعوا إلى هذه الدعوى الخبيثة (وهي الاكتفاء بالقرآن) وغرضهم هدم نصف الدين، أو أنّ شئت قلت: تقويض الدين كُلّه.
لأنّه إذا أُهملت الأحاديث فسيؤدّي ذلك ولا ريب إلى استعجام معظم القرآن على الأمّة، وعدم معرفة المراد منه.
وإذا أُهملت الأحاديث واستعجم القرآن فقل على الإسلام العفا» في رحاب السنّة:١٣.
فإذن السنّة النبويّة مفسّرة للقرآن الكريم، والموضّحة لأحكامه، والمفصّلة لما أجمل فيه، وهي الشارحة لقواعده الكلّيّة العامّة، والمخصّصة لمطلقه، والمقيّدة لعامّه، والمبيّنة لناسخه ومنسوخه، والهادية إلى طريق تطبيقه، فهي والقرآن الكريم صنوان لا يمكن التفريق بينهما، وبعضهما مكمّل للبعض وكلاهما من عند الله سبحانه وتعالى، والعمل بالقرآن على غير نهج سنّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يكون عملاً به، بل هو عمل ناقص وغير صحيح، ويكون فاعله متمسّك بالبعض وتاركاً للبعض الآخر.
والمؤلّف رام في كلامه ما تقدّم في كلمات علماء السنّة من أن العمل بالقرآن وحده غير صحيح بل هو ضلال وكفر كما قال ابن حزم وغيره بذلك; لأنّ عمله يكون ناقصاً وغير تام، بل لا يكون مطابقاً للشريعة الإسلامية التي نزل بها القرآن الكريم والتي أمر فيها باتّباع الرسول واقتفاء أثره والاهتداء بهديه. وهذا ما أطبق عليه علماء المسلمون المتّزنون.
ومن الأدلّة الصريحة على أنّ القرآن يحتاج إلى مفسّر ومبين وأنّه لوحده لا يستطيع الانسان أن يسلك المنهج الصحيح حديث الثقلين المتواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والذي قال فيه: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» راجع مصادره في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني المجلد الرابع: ٣٥٥.
ومن الغرائب المضحكة التي ينبغي أن تكتب مع عجائب الدنيا أن ابن حزم الأندلسي والقرطبي كما تقدّم عنهم يقولون بأن الشيعة تؤمن بالقرآن فقط وتنكر السنّة النبويّة، فهي مارقة عن الدين وخارجة عن الصراط المستقيم!!
بينما الدكتور الرحيلي في كتابه ينعى على المؤلف ـ وهو شيعي ـ أنّه يتمسّك بالسنّة النبويّة الشريفة ويطرح القرآن الكريم؟!
وهذا لعمرو الحق من العجب العجاب فمن من القائلين نطق صدقاً ومن منهما قال حقّاً؟!
والحقّ الذي لا يجادل فيه اثنان أنّ الشيعة تؤمن بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة المرويّة عن أهل البيت(عليهم السلام)، وذلك طبقاً لحديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المتواتر والذي قال فيه: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»، فتؤمن بهذا الحديث وتعمل على طبقه وتتمسّك بالقرآن وسنّة النبي التي نقلها أهل البيت(عليهم السلام). وبذلك يبطل كلام ابن حزم والقرطبي اللذان ادّعيا زوراً وبهتاناً أنّ الشيعة تؤمن بالقرآن فقط، وكلام الدكتور الرحيلي الذي ادّعى أن المؤلّف يتمسّك بالسنّة ويترك القرآن الكريم.
وتخبّط القوم في تهافتهم في النقل عن الشيعة ليس بغريب إذا ما راجع القاريء ورأى بأمّ عينيه كم لهؤلاء القوم من دعاوي باطلة وافتراءات مفتعله ضد أهل البيت(عليهم السلام) ومذهبهم.
فالشيعة يرجعون كلّ شيء إلى الأئمّة المعصومين من أهل البيت النبوي، ولا يجتهدون إلاّ في ما لا نصّ فيه.
ونحن نرجع في كلّ شيء إلى الصّحابة، سواء في تفسير القرآن، أو في إثبات
السنّة وتفسيرها، وقد علمنا أحوال الصحابة وما فعلوه وما استنبطوه واجتهدوا فيه بآرائهم مقابل النصوص الصريحة وهي تعدّ بالمئات، فلا يمكن الركون إلى مثلهم بعد ما حصل منهم ما حصل.
وإذا سألنا علماءنا : أيّ سنّة تتبعون؟
لأجابوا قطعاً : سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)!
والواقع التاريخي لا ينسجم مع ذلك; فقد رووا بأنّ الرسول نفسه قال : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ » (1) .
إذن فالسّنة التي يتّبعونها هي في أغلب الأحيان سنّة الخلفاء الراشدين، وحتى سنّة الرسول التي يقولون بها فهي المرويّة عن طريق هؤلاء.
على أنّنا نروي في صحاحنا أنّ الرسول منعهم من كتابة سننه لئلا تختلط بالقرآن، وكذلك فعل أبو بكر وعمر إبّان خلافتيهما، فلا يبقى بعد هذا حجّة في قولنا « تركت فيكم سنّتي » (2) .
____________
1- سنن أبي داود ٤: ٢٨٠، وغيره من المصادر، لكنّ الحديث ضعيف سنداً ودلالة، راجع نفحات الأزهار ٢: ٣٠٩، والرسائل العشر كلاهما للسيّد الميلاني.
2- فالحديث المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حرج..» صحيح مسلم ٨: ٢٢٩، المستدرك للحاكم ١: ١٢٧ وغيرها من المصادر.
وأمّا أبو بكر فقد جمع الأحاديث المكتوبة وحرقها، فعن عائشة قالت: «جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقّلب كثيراً.
قالت: فغمّني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟
فلمّا أصبح قال: أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها.
فقلت: لم حرقتها؟
قال: خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدّثني فاكون قد نقلت ذاك» تذكرة الحفاظ ١: ٥.
وأمّا عمر بن الخطّاب فقد روى صاحب الكنز ١٠: ٢٩١: «عن الزهري عن عروة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فظلّ عمر(رضي الله عنه) يستخير الله فيها شهراً، ثُمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً فيكم كتبوا كتباً فاكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، والله إنّي لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً ـ ابن عبد البرّ في العلم.
عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثُمّ أصبح فقد عزم له فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتباً فاقبلوا عليه وتركوا كتاب الله ـ ابن سعد».
والذي ذكرته في هذا البحث من الأمثلة ـ وما لم أذكره هو أضعاف ذلك ـ كاف لردّ هذا الحديث; لأنّ من سنّة أبي بكر وعمر وعثمان ما يناقض سنّة النبي ويبطلها، كما لا يخفى.
منع الزهراء(عليها السلام) حقّها
وإذا كانت أوّل حادثة وقعت بعد وفاة رسول الله مباشرة، وسجّلها أهل السنّة والجماعة والمؤرّخون، هي : مخاصمة فاطمة الزهراء لأبي بكر الذي احتجّ بحديث « نحن معشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة ».
هذا الحديث الذي كذّبته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأبطلته بكتاب الله، واحتجّت على أبي بكر بأن أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يمكنه أن يناقض كتاب الله الذي أنزل عليه، إذ يقول سبحانه وتعالى : ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (1) ، وهي عامّة تشمل الأنبياء وغير الأنبياء.
واحتجّت عليه بقوله تعالى : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (2) ، وكلاهما نبيّ، وقوله عزّ من قائل : ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ (3) .
____________
1- سورة النساء: ١١.
2- سورة النمل: ١٦.
3- سورة مريم: ٥ ـ ٦.
وراجع مخاصمة فاطمة ـ سلام الله عليها ـ لأبي بكر في المصادر التالية:
المسائل الصاغانية للشيخ المفيد: ٩٩، شرح أصول الكافي للمازندراني ٧: ٢١٨، السقيفة وفدك للجوهري: ٧٤، حديث «نحن معاشر الأنبياء» للشيخ المفيد: ٤، التعجّب للكراجكي: ٥٦، العمدة لابن البطريق: ٣٩٠، الطرائف لابن طاووس: ٢٥٨، الصراط المستقيم ٢: ٢٨٣، خلاصة عبقات الأنوار ١: ٦٥، النصّ والاجتهاد: ٥٩، الغدير ٦: ١٩٠، فدك في التاريخ للصدر: ١٥٢، إفحام الأعداء والخصوم: ٨٧، عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري ١: ١٣٨، معالم المدرستين للسيّد مرتضى العسكري ٢: ١٤٥، صحيح ابن حبّان ١١: ١٥٣، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٤٠٦، نصب الراية للزيلعي ٢: ٣٦٠، كنز العمال ٥: ٦٢٥ وغيرها من المصادر.
قتال مانعي الزكاة
والحادثة الثانية التي وقعت لأبي بكر في أيام خلافته، وسجّلها المؤرّخون من أهل السنّة والجماعة، اختلف فيها مع أقرب الناس إليه وهو عمر ابن الخطّاب، تلك الحادثة التي تتلخّص في قراره بمحاربة مانعي الزكاة وقتلهم، فكان عمر يعارضه ويقول له : لا تقاتلهم لأنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : « أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فمن قالها عصم منّي ماله ودمه وحسابه على الله ».
وهذا نصّ أخرجه مسلم في صحيحه جاء فيه : « إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)أعطى الراية إلى علي (عليه السلام) يوم خيبر فقال علي : يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟
فقال (صلى الله عليه وآله) : قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله » (1) .
____________
1- صحيح مسلم ٧: ١٢١، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ بن أبي طالب، فتح الباري ٧:٣٦٦، السنن الكبرى للنسائي ٥:١١١، صحيح ابن حبّان ١٥:٣٨٠، أنساب الأشراف: ٩٣، تاريخ الإسلام ٢:٤٠٧، البداية والنهاية ٤:٢١١، السيرة النبويّة لابن كثير ٣:٣٥٢، السيرة الحلبيّة ٢:٧٣٦.
ولكن أبا بكر لم يقتنع بهذا الحديث وقال : والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، أو قال : « والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه » (1) .
واقتنع عمر بن الخطّاب بعد ذلك وقال : « ما أن رأيت أبا بكر مصمّماً على ذلك حتّى شرح الله صدري »
ولست أدري كيف يشرح الله صدور قوم بمخالفتهم سنّة نبيّهم!
وهذا التأويل منهم لتبرير قتال المسلمين الذين حرّم الله قتلهم إذ قال في كتابه العزيز : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (2) صدق الله العلي العظيم.
على أنّ هؤلاء الذين منعوا إعطاء أبي بكر زكاتهم لم ينكروا وجوبها، ولكنّهم تأخّروا ليتبيّنوا الأمر، ويقول الشيعة بأنّ هؤلاء فوجئوا بخلافة أبي بكر، وفيهم من حضر مع رسول الله حجّة الوداع، وسمع منه النصّ على علي بن أبي طالب، فتريّثوا حتى يفهموا الحقيقة، ولكن أبا بكر أراد إسكاتهم عن تلك الحقيقة، وبما أنّني لا
____________
1- صحيح البخاري ٨:١٤١، كتاب الاعتصام، صحيح مسلم ١:٣٨ كتاب الناس، باب الأمر بقتال الناس، سنن أبي داود ١:٣٤٧، سنن الترمذي ٤:١١٧، المصنّف للصنعاني ٤:٤٤، مسند أبي يعلى ١:٦٩، صحيح ابن حبّان ١:٤٥١.
2- سورة النساء: ٩٤.
استدلّ ولا أحتجّ بما يقوله الشيعة، فسأترك هذه القضيّة لمن يهمّه الأمر ليبحث فيها.
على أنّني لا يفوتني أن أسجّل هنا أن صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) وقعت له في حياته قصّة ثعلبة الذي طلب منه أن يدعو له بالغنى، وألحّ في ذلك وعاهد الله أنه يتصدّق، ودعا له رسول الله وأغناه الله من فضله، وضاقت عليه المدينة وأرجاؤها من كثرة إبله وغنمه حتى ابتعد ولم يعد يحضر صلاة الجمعة.
ولمّا أرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) العاملين على الزكاة رفض أن يعطيهم شيئاً منها قائلا : « إنّما هذه جزية أو أخت الجزية »، ولم يقاتله رسول الله ولا أمر بقتاله وأنزل فيه قوله : ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (1) .
وجاء ثعلبة بعد نزول الآية وهو يبكي، وطلب من رسول الله قبول زكاته، وامتنع الرسول حسب ما تقول الرواية.
فإذا كان أبو بكر وعمر يتّبعان سنّة الرسول، فلماذا هذه المخالفة وإباحة دماء المسلمين الأبرياء لمجرّد منع الزكاة؟!
على أنّ المعتذرين لأبي بكر والذين يريدون تصحيح خطئه بتأويله بأنّ الزكاة هي حق المال لا يبقى لهم ولا له عذر بعد قصّة ثعلبة الذي أنكر الزكاة
____________
1- التوبة: ٧٥ ـ ٧٦، راجع في قصّة ثعلبة بن حاطب فتح الباري ٣:٢١١، عمدة القارىء ٨:٢٥٥، تخريج الأحاديث والآثار ٢:٨٥، تفسير جامع البيان ١٠: ٢٤١، أسباب النزول للواحدي: ١٧١، زاد المسير لابن القيّم ٣: ٣٢١، تفسير القرطبي ٨: ٢٠٩، تفسير ابن كثير ٢: ٣٨٨، تفسير الجلالين: ٤٦١، تفسير الثعالبي ٣: ١٩٩، تفسير ابن أبي حاتم ٦:١٨٤٨، تفسير السمعاني ٢:٣٣١، أحكام القرآن ٢:٥٤٧، تفسير البيضاوي ٣:١٥٩، تفسير الثعلبي ٥:٧٢، أُسد الغابة ١: ٢٣٨، لباب النقول للسيوطي: ١٠٨.
واعتبرها جزية.
ومن يدري لعلّ أبا بكر أقنع صاحبه عمر بوجوب قتل من منعوه الزكاة أن تسري دعوتهم في البلاد الإسلامية لإحياء نصوص الغدير التي نصّبت عليّاً للخلافة، ولذلك شرح الله صدر عمر بن الخطّاب لقتالهم، وهو الذي هدّد بقتل المتخلّفين في بيت فاطمة وحرَّقهم بالنار من أجل أخذ البيعة لصاحبه.
أبو بكر وخالد بن الوليد
أما الحادثة الثالثة التي وقعت لأبي بكر في أوّل خلافته، واختلف فيها عمر بن الخطّاب، وقد تأوّل فيها النصوص القرآنية والنبويّة : تلك هي قصّة خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة صبراً، ونزا على زوجته فدخل بها في نفس الليلة. وكان عمر يقول لخالد : « يا عدو الله قتلت امرءاً مسلماً ثُمّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بالأحجار » (1) .
ولكنّ أبا بكر دافع عنه وقال : « هبه يا عمر، تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد » (2) .
وهذه فضيحة أُخرى سجّلها التاريخ لصحابي من الأكابر، إذا ذكرناه ذكرناه بكُلّ احترام وقداسة، بل ولّقبناه بـ « سيف الله المسلول »!!
ماذا عساني أن أقول في صحابي يفعل مثل تلك الأفعال، يقتل مالك بن نويرة الصحابي الجليل سيّد بني تميم وبني يربوع، وهو مضرب الأمثال في الفتوّة والكرم والشجاعة، وقد حدّث المؤرّخون أنّ خالداً غدر بمالك وأصحابه، بعد أنّ وضعوا السّلاح وصلّوا جماعة وأوثقوهم بالحبال، وفيهم ليلى بنت المنهال زوجة
____________
1- تاريخ الطبري ٢: ٥٠٤، الكامل لابن الأثير ٢: ٣٥٨، البداية والنهاية ٦: ٣٥٥، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥، شرح النهج لابن أبي الحديد ١٧: ٢٠٦ بألفاظ متقاربة.
2- تاريخ الطبري ٢: ٥٠٣، شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ١٧٩، تاريخ أبي الفداء ١: ١٥٨.
مالك، وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال، ويقال إنّه لم ير أجمل منها وفتن خالد بجمالها.
وقال له مالك : يا خالد أبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا، وتدخّل عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري، وألحّا على خالد أن يبعثهم إلى أبي بكر، فرفض خالد وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله، فالتفت مالك إلى زوجته ليلى وقال لخالد : هذه التي قتلتني، فأمر خالد بضرب عنقه وقبض على ليلى زوجته ودخل فيها في تلك الليلة (1) .
____________
1- تاريخ الطبري ٢: ٥٠٣، تاريخ اليعقوبي ٢: ٨٩، تاريخ أبي الفداء ١: ٢٢١، وللاطلاع أكثر نورد ما ذكره العلاّمة الأميني في الغدير ٧: ١٥٨ ـ ١٦٥:
رأي الخليفة في قصة مالك:
سار خالد بن الوليد يريد البطاح حتّى قدمها فلم يجد بها أحداً، وكان مالك بن نويرة قد فرَّقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع، إنّا دُعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتّى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإيّاكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرّقوا وادخلوا في هذا الأمر، فتفرّقوا على ذلك، ولمّا قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكلِّ من لم يُجب، وإن إمتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يأذّنوا ويقيموا إذا نزلوا منزلاً فإن أذن القوم وأقاموا فكفّوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلاّ الغارة ثمّ تقتلوا كلّ قتلة الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقرّوا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شيء إلاّ الغارة، ولا كلمة، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السيرة فيهم، وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنَّهم قد أذَّنوا وأقاموا و صلّوا، فلمّا اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء وجعلت تزداد برداً، فأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة القتل فظنَّ القوم أنَّه أراد القتل ولم يرد إلاّ الدفء فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اَ أمراً أصابه، وتزوّج خالد أمّ تميم امرأة مالك، فقال أبو قتادة: هذا عملك؟ فزبره خالد فغضب ومضى. وفي تاريخ أبي الفداء: كان عبد الله بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلّما خالداً في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقتلك وتقدَّم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه.
فقال عمر لأبي بكر: إنَّ سيف خالد فيه رَهَق وأكثر عليه في ذلك فقال: يا عمر! تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وفي لفظ الطبري وغيره: إنَّ أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذاناً فشنّوا الغارة فاقتلوا وحرِّقوا، وكان ممَّن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها، وكان يحدِّث أنَّهم لمّا غشّوا لقوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنّا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون؟ فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثمَّ صلّينا وصلّوا، وكان خالد يعتذر في قتله: انَّه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلاّ وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعدّه لك صاحباً. ثمَّ قدَّمه فضرب عنقه وعنق أصحابه.
فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدوّ الله عدا على امريء مسلم فقتله ثمَّ نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباءٌ له عليه صدأ الحديد، معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطَّمها ثمَّ قال: أرئاء؟ قتلت امرءاً مسلماً ثمَّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنّك بأحجارك ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنُّ إلاّ أنَّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالسٌ في المسجد فقال خالد: هلمّ إليَّ يا بن اُمّ شملة؟ قال فعرف عمر أنَّ أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه ودخل بيته.
وقال سويد: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً وإنَّ أهل العسكر أثفوا برؤسهم القدور فما منهم رأس إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإنّ القِدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشَر حرَّها أن يبلغ منه ذلك.
وقال ابن شهاب: إنَّ مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلمّا قتل أمر خالد برأسه فنصب أثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه.
وقال عروة: قدم أخو مالك متمِّم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم فكتب له بردِّ السبي، وألحَّ عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إنَّ في سيفه رهقاً. فقال: لا يا عمر! لم أكن لأشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين.
وروى ثابت في الدلائل: انَّ خالداً رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني. يعني سأُقتل من أجلك (تاريخ الطبري ٣:٢٤١، تاريخ ابن الأثير ٣: ١٤٩، أُسد الغابة ٤: ٢٩٥، تاريخ ابن عساكر ٥: ١٠٥، ١١٢، خزانة الأدب ١: ٢٣٧، تاريخ ابن كثير ٦: ٣٢١، تاريخ الخميس ٢: ٢٣٣، الإصابة ١: ٤١٤ و٣: ٣٥٧).
وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إنَّ مالك بن نويرة (رضي الله عنه)قال لامرأته يوم قتله خالد بن الوليد: أقتلتني. أي عرَّضتني بحسنِ وجهكِ للقتل لوجوب الدفع عنكِ، والمحاماة عليك، وكانت جميلة حسناء تزوَّجها خالد بعد قتله فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقيل فيه:
| أفي الحق أنا لم تجفّ دماؤنا | وهذا عروساً باليمامة خالدُ؟ |
(الفائق ٢: ١٥٤، النهاية ٣: ٢٥٧، تاريخ أبي الفدا ١: ١٥٨، تاج العروس ٨: ٧٥).
وفي تاريخ ابن شحنة هامش الكامل ٧ ص ١٦٥: أمر خالد ضراراً بضرب عنق مالك فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني. وكانت في غاية الجمال، فقال خالد: بل قتلك رجوعك عن الإسلام. فقال مالك: أنا مسلم. فقال خالد: يا ضرار! إضرب عنقه فضرب عنقه وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي:
| ألا قل لحيّ أوطؤا بالسنابكِ | تطاول هذا الليل من بَعد مالكِ |
| قضى خالدٌ بغياً عليه بعرسه | وكان له فيها هوى قبل ذلكِ |
| فأمضى هواه خالدٌ غير عاطف | عنان الهوى عنها ولا متمالكِ |
| وأصبح ذا أهل وأصبح مالك | إلى غير أهل هالكاً في الهوالكِ |
فلمّا بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر: إنَّ خالداً قد زنى فاجلده. قال أبو بكر: لا، لأنّه تأوّل فأخطأ قال: فإنّه قتل مسلماً فاقتله. قال: لا، إنَّه تأوّل فأخطأ. ثمَّ قال: يا عمر! ما كنت لأغمد سيفاً سلّه الله عليهم، ورثى مالكاً أخوه متمّم بقصائد عديدة. وهذا التفصيل ذكره أبو الفداء أيضاً في تاريخه ١: ١٥٨.
وفي تاريخ الخميس ٢: ٢٣٣: اشتدَّ في ذلك عمر وقال لأبي بكر: ارجم خالداً فإنَّه قد استحلَّ ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل، إن كان خالد تأوّل أمراً فأخطأ وفي شرح المواقف: فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصاً، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفاً شهره الله على الكفار. وقال عمر لخالد: لئن وليتُ الأمر لأقيدنك به.
وفي تاريخ ابن عساكر ٥: ١١٢: قال عمر: إنِّي ما عتبت على خالد إلاّ في تقدُّمه وما كان يصنع في المال. وكان خالد إذا صار إليه شيء قسّمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبي بكر حسابه، وكان فيه تقدّم على أبي بكر يفعل الأشياء التي لا يراها أبو بكر، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته، وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرارة، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الديّة على متمّم بن نويرة وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
] نظرة في القضية[ قال الأميني: يحقُّ على الباحث أن يمعن النظرة في القضيَّة من ناحيتين. الأولى: ما ارتكبه خالد بن الوليد من الطامّات والجرائم الكبيرة التي تُنزَّه عنها ساحة كلِّ معتنق بالاسلام، وتضادُّ نداء القرآن الكريم والسنَّة الشريفة، ويتبرَّأ منها وممَّن اقترفها مَن آمن بالله ورسوله واليوم الآخر. (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)؟ (سورة القيامة آية: ٣٦).
(أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ)؟ (سورة البلد آية: ٥). (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ)؟ (سورة العنكبوت آية: ٤).
بأيِّ كتاب أم بأيَّة سنَّة ساغ للرجل سفك تلكم الدماء الزكيَّة من الذين آمنوا بالله ورسوله واتَّبعوا سبيل الحقِّ وصدَّقوا بالحسنى، وأذَّنوا وأقاموا وصلّوا وقد علت عقيرتهم: بأنّا مسلمون، فما بال السلاح معكم؟ (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَة مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (سورة آل عمران آية: ١٨٨).
ما عذر الرَّجل في قتل مثل مالك الذي عاشر النبيَّ الأعظم، وأحسن صحبته، واستعمله (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات قومه، وقد عُدَّ من أشراف الجاهليَّة والإسلام، ومن أرداف الملوك. (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (سورة المائدة آية: ٣٢). (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا) (النساء: ٩٣).
وماذا أحلَّ للرجل شنَّ الغارة على أهل أولئك المقتولين وذويهم الأبرياء وإيذائهم وسبيهم بغير ما اكتسبوا إثماً، أو اقترفوا سيِّئة، أو ظهر منهم فساد في الملأ الدينيّ؟ (الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) (سورة الأحزاب آية: ٥٨).
ما هذه القسوة والعنف والفظاظة والتزحزح عن طقوس الإسلام، وتعذيب رؤوس أمَّة مسلمة، وجعلها أثفيةً للقِدر وإحراقها بالنار؟ فويل للقاسية قلوبهم، فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يوم أليم.
ما خالد وما خطره بعد ما اتَّخذ إلهه هواه، وسوَّلت له نفسه، وأضلّته شهوته، وأسكره شبقه؟ فهتك حرمات الله، وشوَّه سمعة الإسلام المقدَّس، ونزى على زوجة مالك قتيل غيِّه في ليلته (الصواعق ص ٢١، تاريخ الخميس ٢: ٣٣٣) أنَّه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلا، ولم يكن قتل الرجل إلاّ لذلك السفاح، وكان أمراً مشهوداً وسرّ غير مستسرّ، وكان يعلمه نفس مالك ويخبر زوجته بذلك قبل وقوع الواقعة بقوله إيّاها: أقتلتني. فقتل الرجل مظلوماً غيرةً و محاماةً على ناموسه. وفي المتواتر: من قتل دون أهله فهو شهيدٌ (مسند أحمد ١ ص ١٩١، نص على تواتره المناوي في الفيض القدير٦ص ١٩٥). وفي الصحيحة من قتل دون مظلمته فهو شهيدٌ (أخرجه النسائي والضياء المقدسي كما في الجامع الصغير، وصححه السيوطي راجع الفيض القدير ٦ ص ١٩٥).
والعذر المفتعل من منع مالك الزكاة لا يُبرِّئ خالداً من تلكم الجنايات، أيصدَّق جحد الرجل فرض الزكاة ومكابرته عليها وهو مؤمنٌ بالله وكتابه ورسوله ومصدِّقٌ بما جاء به نبيُّه الأقدس، يقيم الصَّلاة ويأتي بالفرائض بأذانها وإقامتها، وينادي بأعلى صوته: نحن المسلمون، وقد استعمله النبيُّ الأعظم على الصدقات ردحاً من الزمن؟ لا ها الله.
أيوجب الردَّة مجرَّد امتناع الرجل المسلم الموحِّد المؤمن بالله وكتابه عن أداء الزكاة لهذا الإنسان بخصوصه وهو غير منكر أصل الفريضة؟ أو يُحكم عليه بالقتل عندئذ؟ وقد صحَّ عن المشرِّع الأعظم قوله: لا يحلُّ دم رجل يشهد أن لا إله إلاّ الله، وإنّي رسول الله إلاّ باحدى ثلاثة: النفس بالنفس، والثيِّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة (صحيح البخاري ١٠: ٦٣، كتاب المحاربين. باب: قول الله تعالى ان النفس بالنفس، صحيح مسلم ٢: ٣٧، الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ١٠، سنن أبي داود ٢: ٢١٩، سنن ابن ماجة ٢: ١١٠، مصباح السنّة ٢: ٥٠، مشكاة المصابيح ص ٢٩١).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلاّ باحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس (الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ٩، سنن ابن ماجة ٢: ١١٠، سنن البيهقي ٨: ١٩).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): اُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها منعوا منِّي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله (صحيح مسلم ١: ٣٠، الديّات لابن أبي عاصم الضحّاك ص ١٧، ١٨، سنن ابن ماجة ٢: ٤٥٧، خصائص النسائي ص ٧، سنن البيهقي ٨: ١٩، ١٩٦).
وعهد أبو بكر نفسه لسلمان بقوله: من صلّى الصلوات الخمس فإنَّه يصبح في ذمَّة الله ويمسي في ذمَّة الله تعالى فلا تقتلنَّ أحداً من أهل ذمَّة الله فتخفر الله في ذمَّته فيكبّك الله في النار على وجهك (أخرجه أحمد في الزهد كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٧٠).
أيسلب امتناع الرجل المسلم عن أداء الزكاة حرمة الإسلام عن أهله وماله وذويه ويجعلهم أعدال أولئك الكفرة الفجرة الذين حقَّ على النبيِّ الطاهر شنُّ الغارة عليهم؟ ويحكم عليهم بالسبي والقتل الذريع وغارة ما يملكون، والنزو على تلكم الحرائر المأسورات؟
وأمّا ما مرَّ من الاعتذار بانَّ خالداً قال: ادفئوا أسراكم وأراد الدفء وكانت في لغة كنانة: القتل. فقتلوهم فخرج خالد وقد فرغوا منهم. فلا يفوه به إلاّ معتوهٌ استأسر هواه عقله، وسفه في مقاله، لِماذا قتل ضرار مالكاً بتلك الكلمة وهو لم يكن من كنانة ولا من أهل لغتها؟ بل هو أسديٌّ من بني ثعلبة، ولم يكن أميره يتكلّم قبل ذلك اليوم بلغة كنانة.
وإن صحَّت المزعمة فلماذا غضب أبو قتادة الأَنصاري على خالد وخالفه وتركه يوم ذاك وهو ينظر إليه من كثب، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب؟
ولِماذا اعتذر خالد بانَّ مالكاً قال: ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا؟ وهذا اعترافٌ منه بانَّه قتله غير أنَّه نحت على الرجل مقالاً، وهو من التعريض الذي لا يجوِّز القتل «بعد تسليم صدوره منه» عند الاُمَّة الإسلامية جمعاء، والحدود تُدرأ بالشبهات.
ولِماذا رآه عمر عدوّاً لله، وقذفه بالقتل والزنا؟ وإن لم يفتل ذلك ذؤابة (مثل يضرب يقال: قتل ذؤابة فلان. أي أزاله عن رأيه) أبي بكر.
ولِماذا هتكه عمر في ملأ من الصحابة بقوله إيّاه: قتلتَ امرءاً مسلماً ثمَّ نزوت على امرأته، والله لأرجمنَّك بأحجارك؟
ولِماذا رأى عمر رَهَقاً في سيف خالد وهو لم يقتل مالكاً وصحبه وإنَّما قتلتهم لغة كنانة؟
ولِماذا سكت خالد عن جوابه؟ وما أخرسه إلاّ عمله، إنَّ الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
ولِماذا صدَّق أبو بكر عمر بن الخطّاب في مقاله ووقيعته على خالد وما أنكر عليه غير أنَّه رآه متأوِّلاً تارةً، ونَحَت له فضيلة اُخرى؟
ولِماذا أمر خالد بالرؤوس فنصبت أثفيةً للقدور، وزاد وصمة على لغة كنانة؟
ولِماذا نزى على امرأة مالك، وسبى أهله، وفرَّق جمعه، وشتَّت شمله، وأباد قومه، ونهب ماله؟ أكلُّ هذه معرَّة لغة كنانة؟
ولِماذا ذكر المؤرّخون انَّ مالكاً قُتل دون أهله محاماتاً عليها؟
ولِماذا أثبت المترجمون ذلك القتل الذريع على خالد دون لغة كنانة، وقالوا في ترجمة ضرار وعبد بن الأزور: إنّه هو الذي أمره خالد بقتل مالك بن نويرة (الاستيعاب ١: ٣٣٨، أُسد الغابة ٣: ٣٩، خزانة الأدب للبغدادي ٢: ٩، الإصابة ٢: ٢٠٩) وقالوا في ترجمة مالك: إنَّه قتله خالد. أو: قتله ضرارٌ صبراً بأمر خالد؟ (الإصابة ٣: ٣٥٧، مرآة الجنان ١: ٦٢) هذه أسؤلة توقف المعتذر موقف السَدِر، ولم يحر جواباً.
ما شأن أبناء السلف وقد غرَّرت بهم سكرة الشبق، وغالتهم داعية الهوى، وجاؤا لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمَّة واولئك هم المعتدون؟ فترى هذا يقتل مثل مالك ويأتي بالطامّات رغبةً في نكاح اُمِّ تميم.
وهذا يقتل سيِّد العترة أمير المؤمنين شهوةً في زواج قطام.
وآخر (هو ضرار بن الأزور زميل خالد بن الوليد وشاكلته في النزو على الحرائر) شنَّ الغارة على حيّ من بني أسد فأخذ امرأة جميلة فوطئها بهبة من أصحابه، ثمَّ ذكر ذلك لخالد فقال: قد طيَّبتها لك «كأنَّ تلكم الجنود كانت مجنَّدة لوطىء النساء وفضِّ ناموس الحرائر» فكتب إلى عمر فأجاب برضخه بالحجارة (تاريخ ابن عساكر ٧: ٣١، خزانة الادب ٢: ٨، الإصابة ٢: ٢٠٩).
وهذا يزيد بن معاوية يدسُّ إلى زوجة ريحانة رسول الله الحسن السبط الزكيِّ السمَّ النقيع لتقتلَه ويتزوَّجها (تاريخ ابن عساكر ٤: ٢٢٦) أو فعله معاوية لغاية له كما يأتي.
ووراء هؤلاء المعتدين قومٌ ينزِّه ساحتهم بأعذار مفتعلة كالتأويل والاجتهاد ـ وليتهما لم يكونا ـ وتخطأة لغة كنانة، والله يعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون، وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط إنَّ الله يحبُّ المقسطين.
ماذا عساني أن أقول في هؤلاء الصحابة الذين يستبيحون حرمات الله، ويقتلون النفوس المسلمة من أجل هوى النفس، ويستبيحون الفروج التي حرّمها الله، ففي الإسلام لا تنكح المرأة المتوفى زوجها إلاّ بعد العدّة التي حدّدها الله في كتابه العزيز، ولكنّ خالداً اتّخذ إلهه هواه فتردّى، وأيّ قيمة للعدّة عنده بعد أن قتل زوجها صبراً وظلماً، وقتل قومه أيضاً وهم مسلمون بشهادة عبد الله بن عمر وأبي
قتادة الذي غضب غضباً شديداً ممّا فعله خالد، وانصرف راجعاً إلى المدينة، وأقسم أن لا يكون أبداً في لواء عليه خالد بن الوليد (1) .
وحسبنا في هذه القضية المشهورة أن ننقل اعتراف الأستاذ هيكل في كتابه « الصدّيق أبو بكر » إذ قال تحت عنوان : ( رأي عمر وحجته في الأمر ) :
« أما عمر، وكان مثال العدل الصارم، فكان يرى أن خالداً عدا على امرىء مسلم، ونزا على امرأته قبل انقضاء عدّتها، فلا يصحّ بقاؤه في قيادة الجيش حتّى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب، قال : ولا يصحّ أن يترك بغير عقاب على ما أتمّ مع ليلى.
ولو صحّ أنّه تأوّل فأخطأ في أمر مالك، وهذا ما لا يجيزه عمر، وحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحدّ، فليس ينهض عذراً له إنه سيف الله، وأنّه القائد الذي يسير النصر في ركابه، فلو أن مثل هذا العذر يقبل لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم، ولكان أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله، لذلك لم يفتأ عمر يعيد على أبي بكر، ويلحّ عليه، حتّى استدعى خالداً وعنّفه... » (2) .
وهل لنا أن نسأل الأستاذ هيكل وأمثاله من علمائنا الذين يراوغون حفاظاً على كرامة الصحابة، هل لنا أن نسألهم : لماذا لم يقم أبو بكر الحدّ على خالد؟
وإذا كان عمر كما يقول هيكل مثال العدل الصارم، فلماذا اكتفى بعزله عن قيادة الجيش، ولم يقم عليه الحدّ الشرعي حتّى لا يكون ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله كما ذكر؟
وهل احترموا كتاب الله وأقاموا حدود الله؟
____________
1- المصادر نفسها.
2- كتاب (الصديق أبو بكر) للأستاذ هيكل: ١٣٩.
كلاّ إنّها السياسة وما أدراك ما السياسة؟ تصنع الأعاجيب وتقلب الحقائق، وتضرب بالنصوص القرآنية عرض الجدار.
وهل لنا أن نسأل بعض علمائنا الذين يروون في كتبهم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)غضب غضباً شديداً عندما جاء أُسامة ليشفع لامرأة شريفة سرقت، فقال (صلى الله عليه وآله) : « ويحك أتشفع في حدّ من حدود الله، والله لو كانت فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها، إنّما أهلك من كان قبلكم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ » (1) .
فكيف يسكتون عن قتل المسلمين الأبرياء، والدخول بنسائهم في نفس الليلة، وهنّ منكوبات بموت أزواجهنّ؟!
ويا ليتهم يسكتون! ولكنهم يحاولون تبرير فعل خالد باختلاق الأكاذيب، وبخلق الفضائل والمحاسن له حتّى لقّبوه بسيف الله المسلول!!
ولقد أدهشني بعض أصدقائي، وكان مشهوراً بالمزح وقلب المعاني، فكنت أذكر له مزايا خالد بن الوليد في أيام جهالتي، وقلت له : إنّه سيف الله المسلول، فأجابني : إنّه سيف الشيطان المشلول، واستغربت يومها، ولكن بعد البحث فتح الله بصيرتي، وعرّفني قيمة هؤلاء الذين استولوا على الخلافة، وبدّلوا أحكام الله وعطّلوها، وتعدّوا حدود الله واخترقوها.
وخالد بن الوليد له في حياة النبي قصّة مشهورة، إذ بعثه النبي إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الإسلام ولم يأمره بقتالهم، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا : صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر بهم، ودفع الأسرى إلى أصحابه وأمرهم بقتلهم،
____________
1- صحيح البخاري ٨: ١٧ كتاب الحدود، صحيح مسلم ٥: ١١٤، كتاب الحدود، باب قطع السارق، سنن النسائي ٨: ٧٣، سنن الدارمي ٢: ١٧٢، سنن أبي داود ٢: ٣٣٢، سنن الترمذي ٢: ٤٤٢، سنن البيهقي ٨: ٢٥٤، مجمع الزوائد ٦: ٢٥٩.
![]() | ![]() |





